كنت سفيرًا شابًا في واشنطن حين تعلّمت الدرس الأول: هناك أسئلة لا تُطرح، مهما بلغ صاحبها من الحصافة والدبلوماسية. نقد إسرائيل، أو التساؤل عن حجم الدعم الأمريكي لها، أو الحديث بصراحة عن نفوذ AIPAC والمال السياسي المرتبط بها — كانت هذه كلها حدودًا يعرفها كل من عمل في العاصمة الأمريكية. لذلك فإن ما يحدث اليوم في أمريكا يستحق التوقف. في الخامس من أغسطس الجاري، حسم عبدالرحمن السيد فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، بفارق أقل من نقطة واحدة، بعد أن صمد أمام ما يقارب ستين مليون دولار أُنفقت لإسقاطه من جهات مرتبطة بـAIPAC — وهو أعلى إنفاق تشهده انتخابات تمهيدية ديمقراطية في التاريخ الأمريكي. وإن فاز في نوفمبر، يصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي منذ تأسيسه.
وإلى جانبه، زهران منداني في نيويورك، شاب آخر من أبناء المهاجرين، دخل الحياة السياسية بخطاب يضع المواطن الأمريكي وهمومه الاقتصادية في المقدمة، ويرفض هيمنة المال الكبير على السياسة، ويتخذ موقفًا واضحًا من مأساة غزة ومن السياسات الإسرائيلية.
لكن الظاهرة لا تقف عند هذين الاسمين.
تاكر كارلسون، القادم من بيئة سياسية وفكرية مختلفة تمامًا، طرح أخيرًا تصورًا لأمريكا يقوم على السيادة، وإعادة بناء الداخل، ورفض الحروب والالتزامات الخارجية التي لا تخدم، في رأيه، المصلحة الأمريكية، وأصبح من أبرز المنتقدين لما يراه نفوذًا خارجيًا في القرار الأمريكي.
البعض يصل إلى هذه المواقف من باب العدالة وحقوق فلسطين ورفض نفوذ المال السياسي، والبعض يصل إليها من باب أن أموال الأمريكيين وطاقاتهم يجب أن تُسخّر أولًا لخدمة أمريكا ومواطنيها.
تختلف الدوافع، لكن السؤال أصبح واحدًا: هل ينبغي أن تبقى بعض المسلمات التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود خارج النقاش؟
والأكثر دلالة أن هذا النقاش لم يعد خارج المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه. ففي حملة عبدالرحمن السيد نفسها، تشكّلت مجموعات تطوّعية من ناخبين يهود تحت اسم “يهود من أجل عبد”، وحضر أندي ليفين — النائب اليهودي السابق الذي أسقطته حملة ممولة من AIPAC عام ٢٠٢٢ — ليعلن دعمه لخصم AIPAC الجديد. أصوات ومنظمات وأجيال شابة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي باتت تفرّق بوضوح بين هويتها اليهودية وبين التأييد المطلق للحكومة الإسرائيلية وسياساتها.
وتؤكد استطلاعات الرأي أننا لسنا أمام أصوات معزولة؛ فقد اتسعت النظرة السلبية إلى إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، وكان التحول أكثر وضوحًا بين الأجيال الأصغر سنًا.
ولا يعني ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي قد انهار، أو أن نفوذ AIPAC انتهى، أو أن السياسة الأمريكية ستتغير غدًا. فهذه استنتاجات متعجلة.
لكن من عرف أمريكا قبل أربعين عامًا يستطيع أن يقول إن حدود المسموح في النقاش السياسي تغيرت.
ما كان السياسي يحسب ألف حساب قبل أن يقوله، أصبح اليوم يُقال في الحملات الانتخابية وعلى المنابر الإعلامية، بل قد يقوله المرشح ثم يدخل الانتخابات ويفوز.
وأنا، كعربي ومسلم، لا أستطيع أن أنظر إلى مأساة غزة دون إحساس بالعدل والإنسانية، لكن ذلك لا يمنعني من قراءة ما يجري في أمريكا بموضوعية. غزة لم تصنع كل هذا التحول، لكنها على الأرجح سرّعته وكشفته.
لا أدري إلى أين يصل هذا التغيّر.
لكنني، أنا الذي حسبتُ في واشنطن قديمًا ألف حساب قبل أن أقترب من هذا السؤال، أرى اليوم من يطرحه علنًا ويفوز به. وأعرف أن السياسات قد تتأخر عن المجتمعات، والقرارات قد تتأخر عن الأفكار.
لكن التحولات الكبرى تبدأ غالبًا في اللحظة التي يصبح فيها السؤال الذي كان ممنوعًا… سؤالًا مشروعًا.
