مارس 6

ضبط النفس الخليجي…حين حمى التعقل المنطقة والاقتصاد العالمي

أمن الخليج والاقتصاد العالمي: قراءة في توازنات القوى وحكمة القرار

السؤال المشروع الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كانت الولايات المتحدة تدرك حجم الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها دول الخليج العربية عندما تجاوبت مع إسرائيل وانخرطت في حربها ضد إيران؟ وهل جرى تقدير ما قد يترتب على ذلك من تهديد مباشر لأمن الخليج واستقراره، ومن مخاطر جسيمة على الاقتصاد العالمي في منطقة تُعد أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة والتجارة الدولية؟

فإن كانت هذه الأخطار لم تدخل في حسابات القرار، فذلك خلل كبير في تقدير الموقف، وهو أمر يصعب تصوره بالنسبة لدولة تُعد الأكبر في العالم، والأكثر امتلاكاً لمراكز الدراسات وأجهزة التقدير الاستراتيجي القادرة على قراءة المشهد من جميع جوانبه.

تأثير الحسابات السياسية وتوجيه القرار

ومن هنا يبرز احتمال آخر وهو الأقرب، وهو أن تكون هذه المخاطر معروفة ومقدَّرة، لكن جرى التقليل من شأنها أو تجاهلها تحت تأثير اعتبارات سياسية أخرى؛ وهو الدور الكبير الذي تمارسه إسرائيل في توجيه النقاش داخل دوائر القرار الأمريكي والدفع نحو خيارات تصب في مصلحتها الاستراتيجية، حتى لو حملت في طياتها مخاطر على استقرار المنطقة الأوسع.

الخليج العربي: قلب منظومة الطاقة العالمية

فالخليج العربي ليس مجرد مساحة جغرافية للصراع، بل هو قلب منظومة الطاقة في العالم. فمن هذه المنطقة:

  • يخرج ما يقارب ثلث النفط المتداول عالمياً.

  • تمر نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وفي مقدمتها الغاز القطري الذي يشكل ركيزة أساسية لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا.

  • أي اضطراب يعني ارتفاع الأسعار، وموجات تضخم عالمية، وتباطؤ اقتصادي يمتد لآلاف الكيلومترات.

وتزداد المخاطر عند استحضار حساسية الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز؛ فأي توتر عسكري قد يهدد الملاحة، مما يؤدي فوراً إلى قفزات حادة في أسعار النفط والغاز، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وانعكاسات مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية. كما أن اقتصادات الخليج أصبحت ركناً أساسياً عبر صناديقها السيادية واستثماراتها الكبرى في الأسواق الدولية.

الحكمة الخليجية: نموذج في إدارة الأزمات

وسط هذه التعقيدات، برز موقف دول الخليج العربية بوصفه موقفاً يتسم بدرجة عالية من الحكمة وضبط النفس. فعلى الرغم مما تعرضت له من أخطار مباشرة، فإنها لم تنجرّ إلى التهور، واكتفت بالدفاع عن أمنها وسيادتها، مدركة أن أخطر ما كان يمكن أن يحدث هو انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة تتحول فيها المعركة إلى صراع عربي–إيراني مباشر، وهو السيناريو الذي كان سيحمل نتائج كارثية على الجميع، ولا يخدم في نهاية المطاف إلا إسرائيل. وهذا هو الهدف.

إن حكمة دول الخليج في هذه اللحظة الحساسة أسهمت في تقليل حجم الخسائر ومنع اتساع دائرة الصراع. ولو انجرت المنطقة إلى ردود فعل غير محسوبة، لكانت العواقب أكبر بكثير.

خلاصة الموقف: تقدير عالمي مستحق

ومن هنا فإن الموقف الخليجي يستحق التقدير من العالم ككل؛ لأنه لم يحمِ استقرار المنطقة من الأسوأ فحسب، بل أسهم أيضاً في التقليل على الاقتصاد العالمي من اضطرابات كان يمكن أن تكون أشد خطورة. كما أنه قدّم نموذجاً في إدارة الأزمات يقوم على التعقل وتغليب المصالح الاستراتيجية على الانفعالات اللحظية.

حفظ الله دول الخليج العربية من كل سوء، وألهم قادتها الحكمة في اتخاذ القرار، لتبقى هذه المنطقة ركناً للاستقرار وشريكاً أساسياً في أمن وازدهار العالم.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: كتابات



اقرأ أيضاً