إسرائيل حين تنكشف طبيعتها العدوانية أمام العالم يقترب العالم شرقاً وغرباً، من إدراك حقيقة طالما تأخر الاعتراف بها: أن إسرائيل لم تنشأ لتعيش بسلام مع جوارها، بل قامت على منطق القوة والعدوان المستمر، ولا تطمئن إلا بإضعاف كل من حولها، وهي في سبيل ذلك لا تقيم وزناً لسيادة دولة، ولا حرمة لحدود، ولا اعتباراً لقانون دولي. ولم تسلم المؤسسات الدولية نفسها من هذه الغطرسة؛ فقد امتدت محاولات إسرائيل إلى محاربتها وعرقلة عملها والتشكيك في شرعيتها، بما في ذلك الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، كلما اقتربت من مساءلتها أو كشفت انتهاكاتها.
ولم يقف أثرها عند الحروب التي تشنها مباشرة، بل غدت عاملاً مشتركاً في تعقيد أزمات عدة، كما في السودان والصومال، مستثمرةً الانقسامات والصراعات الداخلية لتوسيع نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالحها.
ولم تعد المسألة اليوم قضية الشعب الفلسطيني وحده، وإن ظل جرحه الأعمق والأقدم، بل تحولت إسرائيل، بسلوكها المتكرر ونزعتها التوسعية المنفلتة، إلى مصدر خطر على استقرار المنطقة كلها، وإلى عبء متزايد على الأمن الدولي.
وتزداد خطورة هذا السلوك لأن الشرق الأوسط منطقة شديدة الحساسية للاقتصاد العالمي، بما يحتضنه من مصادر الطاقة وممرات التجارة الدولية ومن ثم فإن إثارة القلاقل فيه لا تزعزع أمن دوله وحدها، بل تهدد استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد، وتُلحق الضرر باقتصاد العالم كله.
والمفارقة الأكثر دلالة أن الدول التي بادرت إلى التطبيع معها، وراهنت على أن العلاقة ستقيها شر تهديدها، لم تسلم من غطرستها ولا من إساءاتها. فإسرائيل لا تقيس سلوكها بمعايير الصداقة والعداء، ولا تحفظ عهداً أو تراعي علاقة؛ وإنما يحكمها منطق واحد: من يملك القوة يفرض شروطه، ولو على من صافحه..
وهذه الحقيقة لم تعد محصورة في الوعي العربي أو الإسلامي، بل بات صداها يتسع في العواصم الغربية التي طالما وفرت لإسرائيل الغطاء السياسي والحماية من المساءلة. ففي أوروبا تتصاعد الدعوات إلى مراجعة العلاقة معها، وربط التعاون باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
أما التحول الأعمق والأكثر تأثيراً، فيجري اليوم داخل الولايات المتحدة نفسها، مصدر الحماية والسلاح والغطاء السياسي الأول لإسرائيل. فالصورة التي ظلت عقوداً شبه مقدسة في الخطاب الأميركي بدأت تتصدع: في الجامعات، ووسائل الإعلام، واستطلاعات الرأي، وداخل الحزب الديمقراطي، بل وفي الكونغرس والمجتمع اليهودي الأميركي نفسه. ولم يعد السؤال مقتصراً على نقد حرب أو حكومة، بل امتد إلى مساءلة جدوى الدعم غير المشروط، وكلفته الأخلاقية والسياسية على الولايات المتحدة ومكانتها في العالم.
صحيح أن النفوذ الإسرائيلي ما يزال قوياً في مؤسسات القرار الأميركي، وأن التحالف لم يتغير بعد في جوهره، لكن ما كان من المحرمات أصبح موضوعاً للنقاش، وما كان يُسكَت عنه بات يُقال علناً، وما كان تأييداً تلقائياً بدأ يتحول إلى انقسام سياسي وأخلاقي عميق. وهذه بداية تحول لا ينبغي التقليل من شأنه؛ لأن إسرائيل تستطيع مقاومة قرار عابر، لكنها لا تستطيع إلى الأبد مقاومة انقلاب صورتها في المجتمع الذي منحها أطول حماية وأوسع حصانة.
إن الدائرة تضيق فعلاً، لا بفعل تصريح عابر أو موقف مؤقت، بل بفعل تراكم الحقائق والدماء والتجاوزات التي لم يعد ممكناً حجبها. وحين تنكشف طبيعة الخطر حتى لمن صنع له الغطاء، فذلك يعني أن مرحلة كاملة بدأت تقترب من نهايتها.
