تابعتُ بكل اهتمام الندوة القيّمة التي عُقدت بالأمس في معهد الدوحة للدراسات العليا بعنوان: “الآثار والتراث في السودان: تحديات وحلول”، والتي جاءت في توقيت بالغ الأهمية. وكم كنت آسفا أن ظروفي لم تسمح لي بالحضور ، وقد سرّني ما طُرح خلالها من أفكار ومداخلات، خاصة الكلمة المُلهمة التي ألقتها سعادة لولوة الخاطر، وزيرة التعليم والتعليم العالي، والتي أضاءت الكثير من زوايا هذا الملف الحيوي.
ولقد أعادتني هذه الندوة إلى ذكريات زيارة رسمية قمتُ بها إلى السودان أواخر عام 8002، حين كنت وزيرًا للثقافة في دولة قطر. وقد تصادف وجودي آنذاك مع مهرجان شعبي كبير شاركت فيه قبائل من مختلف أنحاء السودان، حيث قدّمت هذه القبائل تجليات تراثها غير الملموس من شعر وغناء وموسيقى وطقوس وطبخ وحرف يدوية، فضلًا عن جلسات حكواتية سردت حكايات وأساطير تنتمي إلى مرويات شفهية بديعة ومتنوعة بقدر تنوع اللهجات واللغات السودانية.

لقد وقفت مذهولًا أمام هذا الثراء والتنوع الثقافي المدهش، وأحسست بألم عميق لأننا – كعرب – لا نعرف إلا القليل جدًا عن هذه الكنوز، فكيف بالعالم الأوسع؟ تساءلت حينها: ماذا لو اطّلع العالم على هذه الثروة؟ ماذا لو استمع الموسيقيون العالميون إلى موسيقى السودان الفريدة؟ إنني على يقين أن التأثير سيكون هائلًا، ليس فقط على مستوى الإعجاب، بل على مستوى الإلهام الفني والإنساني.
غير أنني صُدمت لاحقًا حين راجعت قوائم التراث الثقافي غير الملموس المُسجّلة لدى اليونسكو باسم السودان، فلم أجد سوى عناصر قليلة مثل: احتفالات المولد النبوي، والخط العربي، وفنون النقش على المعادن (الذهب والفضة والنحاس)، وهي رغم أهميتها لا تمثل حتى غيضًا من فيض هذا التراث الشاسع.

في ضوء ما يتعرض التراث السودان اليوم من تدمير، وسرقة، ونهب، وتشويه، يبرز سؤال ملح: ما هو مصير هذا الإرث اللامادي الهائل؟ وكيف يمكننا كعرب وكمؤسسات ثقافية، أن نحميه ونوثقه ونرفعه إلى المنصات العالمية؟
وإني لأتساءل عن دور المنظمات الدولية والعربية والإسلامية •منظمة اليونسكو •المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) •المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) أين هذا الدور ، ولماذا هذا التواضع في الأداء ، إن كان هناك أداء!

وأتوجه أيضا إلى النخب الثقافية والأكاديمية في السودان وخارجه، بأن يبادروا بوضع ملف التراث الثقافي غير الملموس السوداني في مقدمة أولوياتهم، توثيقًا وتسجيلًا وترويجًا. فهذا التراث لا يخص السودان وحده، بل هو جزء من ذاكرة الإنسانية، ومكون أساسي في فسيفساء الهوية العربية والإفريقية.
لقد آن أوان التحرك ، قبل أن يُطمر هذا الكنز تحت ركام النسيان أو تُشوه معالمه بفعل النزاعات والجهل والإهمال والسرقة والتشويه .
