مايو 19

الثقافة حين تصبح مشروعاً وطنياً: قراءة في تميز معرض قطر للكتاب وإطلاق مشروع هذه قطر

عاصرتُ معارض الكتب العربية والدولية على اختلاف أزمانها وأمكنتها، وتعاملتُ معها عن كثب كوزير ثقافة وإعلام سابق. وأستطيع أن أقول بكلّ ثقة إن معرض قطر هذا العام يُعدّ من أجملها وأشملها.

إنه مناسبةً ثقافيةً فريدة، جمعت في فضاءٍ واحد بين المعرفة والتراث والفنون والهوية الوطنية في أسمى تجلياتها. كان حدثًا ينبض بالحياة، يروي قصة شعب، ويرسم مستقبل أمة.

وإن انعقاده في هذه المرحلة الدقيقة بهذا المستوى الرفيع غير المسبوق من التنظيم والإبداع والحضور، يشكل نصرًا ثقافيًا باهرًا بحدّ ذاته. إنه يؤكد للعالم أجمع أن الثقافة في قطر ليست حدثًا موسميًا، بل مشروعًا وطنيًا مستمرًا، لا توقفه التحديات ولا تُثنيه الصعاب.

مشروع “هذه قطر” التوثيقي: نبض الهوية والمعاصرة

ومن أبرز درر هذا الإنجاز الثقافي مشروع “هذه قطر” التوثيقي، الذي يحمل في طيّاته روح الوطن، ويروي قصته بكلّ فخر وأصالة للعالم.

فقد استُلهمت هويته البصرية من نبض العمارة القطرية وروح الزيّ الوطني؛ فجاءت أغلفة إصداراته مستوحاة من تفاصيل الأبواب القطرية التقليدية بأناقتها الخالدة، بينما استمدّت تصاميم الأبواب زخارفها من تفاصيل البشت القطري في مزيج ساحر بين الهوية والجمال، وبين التراث والمعاصرة.

محتويات المشروع وأبوابه الرئيسية:

  • الرصيد المرئي والوثائقي: يحتوي المشروع على أكثر من ثلاثمائة فيلم، إلى جانب كنوز بصرية ووثائقية هائلة من الصور والخرائط والوثائق والبطاقات التعريفية. وقد تُرجم إلى خمس لغات، ودُبلجت أفلامه، ليصل برسالته النبيلة إلى كلّ قارئ ومشاهد في أصقاع الأرض.

  • الأبواب الخمسة: يتألف المشروع من خمسة أبواب رئيسية راقية تشمل: (درب الحضارة، شذا الأرض، إرث وأثر، نوافذ المعرفة، ومرابع الإبداع)، ليكون سردية وطنية عميقة تُعرّف العالم بقطر: أرضها، تاريخها، مجتمعها، وقدراتها الإبداعية.

تلاحم الذاكرة العربية والاهتمام بالجيل

ومن اللمسات الرائعة أيضًا تلك المحاكاة الإبداعية لأسواق الكتب العربية الخالدة: من الأزبكية في القاهرة، إلى شارع المتنبي في بغداد، مرورًا بالحلبوني في دمشق، وصولًا إلى سوق واقف في الدوحة. فكأن المعرض جمع في رحابه ذاكرة الكتاب العربي كلّها، ووحّد أرواحها في مكان واحد.

كما تميز المعرض بـالأبعاد التالية:

  • دوحة الأطفال: حيث أولى المعرض الطفل اهتمامًا خاصًا.

  • الإنتاج الأكاديمي: برز فيه حضورٌ لافت للإصدارات الأكاديمية ودور النشر الجامعية.

  • الأوبريت التراثي: رافقه أوبريت تراثي بديع أعاد تقديم الموروث الشعبي بروح معاصرة أخّاذة.

  • الصالون الثقافي والندوات: شكّلا قلب المعرض النابض، إذ تحولت جلساتهما إلى مادة ثرية أغنت الساحة الرقمية، وأثرت المحتوى العربي الفكري والثقافي بأفكار عميقة ونقاشات بنّاءة.

تحية تقدير

كلّ التحية والتقدير لمعالي الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، وللفريق الاستثنائي الذي عمل معه، على هذا الإنجاز الثقافي الكبير الذي حوّل معرض الكتاب إلى مهرجان شامل للثقافة والهوية والإبداع، يليق بمكانة قطر المرموقة بين الأمم.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: ثقافة, لقاءات



اقرأ أيضاً