سبتمبر 27

الدبلوماسية ليست مهنة عابرة

في حياة الدبلوماسي لحظات لا تشبه سواها؛ إن عاشها بكل أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية، صارت الحياة مسرحًا تتعانق فيه القيم والمعارف والوجوه.

منذ أن كنتُ شابًا في مقتبل العمر يخطو أولى خطواته في بيروت، زوجًا شابًا رزق بابنته الأولى إيمان، إلى أن حملت دمشق إليَّ عبق العروبة والتاريخ ورزقت فيها بابني تميم رحمه الله ، وأسكنه فسيح جناته ،ثم إلى باريس حيث جاء عمران هدية المحبة والمعرفة، مرورا بنيويورك و انتهاء بواشنطن كنت أتنقل بين مدنٍ هي محطات في سيرة عمرٍ مفعمٍ بالدهشة والتعلّم.

اليوم، وأنا أستضيف وزوجتي العزيزة في منزلنا البحري برأس لفان نخبةً من السفراء الجدد وزوجاتهم الشابات المثقفات – من إسبانيا وكندا وفرنسا وكولومبيا وشخصيات من أميركا اللاتينية – عادت إليَّ تلك النسمات القديمة. رائحة البحر امتزجت بذكريات صخب لبنان والمنتزهات الدمشقية ونهر السين وأضواء نيويورك، فبدت

الجلسة وكأنها جسرٌ يصل بين زمنين: زمن الشباب المتطلع وزمن الخبرة الناضجة.

كان المشهد أشبه بمرآةٍ للحياة الدبلوماسية التي عشتها: لقاء الثقافات، انفتاح القلوب، والقدرة على بناء الجسور بين البشر. في وجوه هؤلاء السفراء وزوجاتهم رأيت صورتي حين كنت في بداياتي؛ الشغف نفسه، الدهشة نفسها، والرهان على المستقبل.

هكذا تدور الحياة؛ الدبلوماسية ليست مهنة عابرة بل حياة كاملة، تزرع فيك قدرةً على الحبّ والتسامح والمعرفة والإنصات للآخر. واليوم، كما البارحة، ما زالت هذه القيم حيّة في قلبي، وما زال بيتي – كما كان يومًا – ساحة لقاء وحوار، تذكيرًا بأن أجمل ما في الدبلوماسية هو إنسانيتها المستمرة عبر الأزمنة.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: لقاءات



اقرأ أيضاً