.st0{fill:#FFFFFF;}

أحمد بن بلة: قائد الثورة ورجل الهوية 

كنتُ أرى في السيد أحمد بن بلة شخصية تاريخية كبيرة بكل معنى الكلمة. فهو قائد الثورة الجزائرية، وأول رئيس للجزائر المستقلة، ورمز لنضال شعبٍ عظيم قدّم التضحيات الجسيمة في سبيل الحرية والكرامة. عرفتُه عن قرب، لا من خلال ما كُتب عنه فقط، بل من خلال لقاءات جمعتني به في المنفى بباريس حين كنتُ سفيراً هناك مطلع الثمانينيات.

كان بن بلة وقتها خارج الحكم، خارج الأضواء، لكنه لم يخرج أبداً من دائرة التاريخ. كنتُ أشعر بالفخر كلما شرفني بزيارته إلى منزلي، وقد كانت لقاءاتنا ودية، يغلب عليها الطابع الإنساني أكثر من الطابع السياسي. كان رجلاً بسيطاً، حريصاً على الجلوس مع الأطفال واللعب معهم، كأنه يستعيد طفولته وسط براءتهم بعد سنوات السجن والمعاناة.

خرج بن بلة لتوه من ظروف قاسية؛ عزلة وسجون وإقامة جبرية امتدت حتى عام 1980. ومع ذلك لم تنكسر عزيمته. حاولتُ ذات مرة أن أجمعه مع عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان هو الآخر في المنفى بباريس، لكن المحاولة لم تُكتب لها النجاح. بوتفليقة كان مرحباً، أما بن بلة فرفض الأمر رفضاً قاطعاً لأنه كان يرى أن بوتفليقة قد خانه وأسهم في إسقاطه من الحكم.

لكن ما لفتني في شخصية بن بلة هو قدرته على تحويل المحنة إلى منحة. فقد استغل سنوات السجن والإقامة الجبرية في دراسة ما هو أثمن: اللغة العربية، والتاريخ، والفكر الإسلامي. كان يقول لي دائماً إنه كرّس معظم وقته لإتقان العربية حتى صارت له لساناً وهوية، لأنها في نظره جوهر الفرد والأمة معاً. وكان يردد: “عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”، قاصداً أن تلك السنوات الصعبة منحته فرصة لتعميق معرفته وهويته.

ذلك هو أحمد بن بلة الذي عرفته: رجل خرج من قلب الثورة إلى قلب التاريخ، وصاغ من محنته قوة، ومن سجنه مدرسة للهوية والفكر.

شارك القصة

من مؤلفات الدكتور حمد الكواري

هذه القصة من كتاب «مسافر زادُه الجمال»

قصص وشهادات عن شخصيات وقادة عرفهم الدكتور حمد، ومدن عاش فيها وأحبّها، في جزأين يجمعان أكثر من خمسين حكاية.

قصص أخرى من الكتاب

Insert Content Template or Symbol