عرفتُ الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن قرب منذ أن كنتُ سفيراً في باريس بين عامي 1979 و1984، أي قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية لاحقاً (1995–2007). كان في ذلك الوقت أصغر رئيس وزراء في تاريخ فرنسا، يعيش مرحلة “التعايش” السياسي مع الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران. ومع أنه لم يكن رئيساً بعد، إلا أنني التقيت به أكثر من أي شخصية فرنسية أخرى، وكان حضوره لافتاً في المشهد السياسي، كما كان ضيفاً دائماً في لقاءات السفراء العرب، خاصة في منزل السفير التونسي الهادي المبروك، الذي كان ملتقى دبلوماسياً عامراً بالحوار والندوات.
شيراك تميز بعمق علاقته بالعرب، وكان قريباً من السفراء العرب جميعاً، محاوراً ودوداً لا تخطئه العين. لكن ما جعله مختلفاً فعلاً هو مواقفه السياسية التي جسدت شجاعة نادرة. فقد عارض بشدة حرب العراق عام 2003، ورفض الانخراط في العدوان الأمريكي البريطاني لإسقاط صدام حسين، مؤكداً استقلالية القرار الفرنسي. كما كان داعماً صلباً للقضية الفلسطينية، ويكفي أن نستذكر موقفه الشهير في القدس حين رفض حماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي، وصرخ في وجههم: “دعُوهُم، لا أريد حمايتكم”، مهدداً بالعودة إلى طائرته. ذلك المشهد جعل منه رمزاً لموقف سياسي صلب في مواجهة الغطرسة.
إلى جانب ذلك، لم يتردد في دعم لبنان والوقوف إلى جانبه في أزماته، مما عمّق مكانته في قلوب العرب. وبالنسبة لي، أعتبر جاك شيراك آخر “الرؤساء الكبار” في فرنسا، الذين جمعوا بين الحضور القيادي والموقف المبدئي. وتشرفت خلال مسيرتي بأن أنال أوسمة رفيعة من ثلاثة رؤساء فرنسيين، وكان أحدها من شيراك نفسه، وهو وسام عزيز أحتفظ به كرمز للتقدير المتبادل بين فرنسا وقطر.
