كنتُ في باريس سفيراً لقطر حين عايشتُ مرحلة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، أول رئيس اشتراكي للجمهورية الخامسة، الذي تولى الحكم بين عامي 1981 و1995. كان رجلاً مثابراً، عرفته فرنسا بإصراره، فقد خاض ثلاث محاولات رئاسية فاشلة قبل أن ينجح في الرابعة ليحكم أربعة عشر عاماً متواصلة. وكان أيضاً واسع الثقافة، يملك لغة بلاغية ثرية، تنعكس في خطاباته ومواقفه السياسية.
مع وصول ميتران إلى الحكم، كانت العلاقات القطرية الفرنسية قد شهدت انطلاقة مهمة في عهد جيسكار ديستان، ثم واصلت تطورها على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية في عهد ميتران. بالنسبة لي، ارتبط اسمه خصوصاً بمشروع معهد العالم العربي في باريس. فقد كنا قد خصصنا قطعة أرض قرب برج إيفل خلال فترة جيسكار، لكن ميتران حين جاء إلى الرئاسة غيّر الموقع إلى قلب باريس الثقافية حيث يقف المعهد اليوم. في البداية شعر بعض القادة العرب بخيبة أمل، لكن سرعان ما أدرك الجميع أن ميتران كان على حق؛ فقد أعطى المعهد موقعاً رمزياً يعكس مكانته الحضارية في المدينة.
لم يكن الحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه ميتران معروفاً بمواقفه المتقدمة تجاه قضايا العرب، سواء في استقلال الجزائر أو القضية الفلسطينية، ما أثار مخاوف عند وصوله. لكن مع الوقت، بدّد بعض تلك الشكوك بمواقف أكثر توازناً، وأثبت أن السياسة لا تخضع دائماً لقوالب جامدة.
وبالنسبة لي على المستوى الشخصي، كان لفرنسا في عهد ميتران أثر بارز، فقد تشرفت بنيل وسام الاستحقاق الفرنسي على يده، وهو واحد من ثلاثة أوسمة نلتها من ثلاثة رؤساء فرنسيين خلال سنوات خدمتي الدبلوماسية.
مصدر الصورة : ويكبيديا
