سبتمبر 21

القنصلية الإسبانية في القدس موجودة قبل قيام إسرائيل بأكثر من تسعين عامًا

(إن القنصلية الإسبانية في القدس موجودة منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، أي قبل قيام اسرائيل بـ90 عاما )

خوسيه مانويل الباريس – وزير خارجية إسبانيا

يتساءل الكثيرون عن سرّ تميّز الموقف الإسباني من العدوان الإسرائيلي والدفاع عن حقوق الفلسطينيين بهذا الوضوح والاستمرارية، وبسرد تاريخي نحاول الإجابة. فحين ننظر إلى العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل نجد أنها لا تنفصل عن ذاكرة إسبانيا التاريخية مع العالم العربي والإسلامي، فثمانية قرون من الحضارة الإسلامية في الأندلس تركت أثرًا عميقًا في الثقافة والسياسة والهوية الإسبانية، وخلقت لدى النخب والرأي العام حساسية خاصة تجاه قضايا العرب، ومنها القضية الفلسطينية.

 

والقنصلية الإسبانية في القدس مثال حيّ على هذا البعد التاريخي؛ إذ افتُتحت في منتصف القرن التاسع عشر (1854 تقريبًا) أي قبل قيام إسرائيل بأكثر من تسعين عامًا، ما يعكس عمق ارتباط مدريد بالقدس والمشرق العربي قبل أن يتشكل المشهد الجيوسياسي الراهن. وحين حاولت إسرائيل التضييق على عمل القنصلية، أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن القنصلية الإسبانية في القدس “موجودة منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، أي قبل قيام الدولة الإسرائيلية”، وأن وضعها “خاص وتاريخي” لا يمكن تغييره من جانب واحد من قبل إسرائيل.

 

بعد سقوط حكم فرانكو عام 1975 تبنت مدريد سياسة خارجية أكثر انفتاحًا واستقلالًا عن المحاور التقليدية، وحرصت على بناء علاقات وثيقة مع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما جعلها آخر دولة غربية كبرى تعترف رسميًا بإسرائيل عام 1986 بعد ضغوط وإصرار من الاتحاد الأوروبي لقبول إسبانيا في عضويته شريطة اعترافها بإسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها. ومع ذلك لم يمنع هذا الاعتراف مدريد من أن تواصل موقفها المتوازن وحرصها على الوقوف إلى جانب الفلسطينيين والتذكير بحقوقهم التاريخية والسياسية.

 

ومع تصاعد الطغيان الإسرائيلي وسياسات الإبادة والتجويع، أصبحت إسبانيا أكثر الدول الأوروبية نقدًا لإسرائيل وسياساتها العنصرية، وأشد دعمًا للشعب الفلسطيني وحقوقه، مستندة إلى إرثها الثقافي في الأندلس ووجودها الدبلوماسي المبكر في القدس، وإلى إدراكها أن دورها في المنطقة يقوم على جسور حضارية وإنسانية قبل أن يكون مصلحة سياسية فقط. واليوم تبدو مدريد أكثر وضوحًا من غيرها في دعم حل الدولتين وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقاربة متوازنة تنبع من تاريخ طويل من الانخراط في المنطقة وحساسية ثقافية فريدة.

 

ومن هنا فإن من الواجب على العرب حكومات وشعوبًا أن يقدّروا هذا الموقف الإسباني المتميز وأن يترجموه إلى تعاون أوسع مع مدريد سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، بما يعزز جسور التواصل ويقوي الحضور العربي في أوروبا ويدعم الحقوق الفلسطينية على الساحة الدولية.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: كتابات



اقرأ أيضاً