فبراير 25

المجالس القطرية في رمضان: ملتقى التراث والهوية الإنسانية

المجالس القطرية.. حين يلتقي رمضان بالتراث والإنسان

كان مجلس الثلاثاء الليلة الماضية مجلساً رمضانياً بكل ما يحمله هذا الوصف من معنى؛ روحانيةً، ووقاراً، ودفئاً إنسانياً يتجاوز حدود المكان. فقد جمع نخبةً من الضيوف، من كتّابٍ ومثقفين، ووجهاء ووزراء وسفراء، وأصدقاء من كرام القوم، من جنسيات متعددة، جمعتهم روحانية رمضان.

المجلس: مدرسة القيم وجسر الأجيال

في مثل هذه المجالس يتجسد معنى رمضان الحقيقي؛ فهو ليس شهر عبادة فحسب، بل موسم لقاء وتعارف، وتبادل للرأي، وتجديد للصلات بين الناس. هنا يُستعاد تقليدٌ عريقٌ ظلّ عبر الأجيال مدرسةً مفتوحةً لنقل الخبرات، وترسيخ القيم، وتعزيز روح الاحترام المتبادل.

فإن المجالس القطرية ليست مكاناً للجلوس فقط، بل هي:

  • فضاءٌ للحوار الحر والمسؤول.

  • منبرٌ للكلمة الصادقة.

  • جسرٌ يصل الماضي بالحاضر وترابط بين الأجيال.

القهوة العربية واليونسكو: رمزية الهوية العالمية

وكانت القهوة العربية حاضرةً كما ينبغي لها أن تكون؛ رمزاً للكرم، وعلامةً للترحيب، وتعبيراً مكثفاً عن هويةٍ ثقافيةٍ راسخة. وهي، مع تقاليد المجلس العربي، ليست مجرد مظهر من مظاهر الضيافة، بل منظومة قيمٍ متكاملة تعكس الاحترام والتواصل والتكافل.

وقد تُوِّج هذا البعد الحضاري عام 2015 باعتماد «المجلس العربي» و«القهوة العربية» ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في منظمة اليونسكو؛ ثمرةً لجهود دول الخليج، وفي مقدمتها بلادنا التي كان لها دور ريادي واضح في هذا الإنجاز. وكنت يومها أتشرف بتحمل مسؤولية وزارة الثقافة، فشهدت عن قرب كيف تحوّل هذا الموروث من تقليدٍ اجتماعيٍ عريق إلى قيمةٍ إنسانيةٍ معترفٍ بها عالمياً.

حماية الذاكرة الجماعية والواجب الوطني

إن الاعتراف الدولي لا يمنح التراث قيمته، بل يؤكدها. والقيمة الحقيقية تكمن في استمرارنا في ممارسة هذا التقليد بروحه الأصيلة؛ في فتح الأبواب، وإكرام الضيف، وإفساح المجال للحوار الرصين الذي يجمع ولا يفرّق. فالمجالس، وخاصة في رمضان، تعيد صياغة علاقتنا ببعضنا البعض، وتمنح الأجيال الشابة نموذجاً حياً للانتماء والاعتزاز بالهوية.

لقد كان مجلس الثلاثاء صورةً مصغّرةً لما تمثله المجالس القطرية بهذا المعنى الكبير: تنوّع في الحضور، وحدة في الروح، وحديثٌ مسؤول يليق بزمنٍ يحتاج إلى الكلمة العاقلة. ومن هنا، فإن المحافظة على هذه الظاهرة التراثية الثقافية ليست خياراً ترفيهياً، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً؛ لأنها تحمي ذاكرتنا الجماعية، وتعزز حضورنا الحضاري في عالمٍ سريع التغيّر.

فلنصن مجالسنا، ولتبقَ قهوتنا العربية عنواناً لكرمنا، ومجالسنا منابر للحوار، وصورتنا الحضارية أمام العالم.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: مجلس الثلاثاء



اقرأ أيضاً