أتفق معكم، معالي الأخ الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، في ضرورة مراجعة منظومتنا الأمنية وتحالفاتنا الاستراتيجية، وتعزيز الشراكة مع الأشقاء المسلمين في باكستان وتركيا، غير أن ما مررنا به لم يكن أزمة عابرة تمر كما تمر الغيوم، بل كان — في تقديري — اختباراً وجودياً حقيقياً لهويتنا ومسارنا ومستقبلنا.
فالأزمات، حين تحسن الأمم قراءتها، لا تكون مآزق بقدر ما تكون منعطفات تاريخية تتحول فيها المحنة إلى فرصة للمراجعة والبناء. ومن هذا المنطلق، لا بد من الاعتراف بأن دول الخليج حققت إنجازات لافتة في مجالات البنية التحتية والتعليم والاقتصاد، ووفرت لمواطنيها مستويات من الرفاه والكرامة تحظى بجل التقدير.
توازن التحديث والأصالة: الجيل الواعي ومنظومة القيم
غير أن الإنجاز لا يعفي من المراجعة، بل يجعلهـا أكثر إلحاحاً. فثمة اختلالات ينبغي الإقرار بها، كما أن بعض مظاهر الترف المفرط بدأت تلقي بظلالها السلبية على منظومة القيم والسلوك العام للأفراد وفي المجتمع. وفي المقابل، فإن التوسع في التعليم العالي أفرز جيلاً واعياً ومؤهلاً، يشكل رأسمالاً بشرياً حقيقياً قادراً على الإسهام في قيادة مشروع النهضة والتنمية في المنطقة.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد نجحت بعض دول الخليج في بناء حضور دبلوماسي مؤثر، واكتسبت ثقة دولية جعلتها وسيطاً فاعلاً في حل النزاعات وإدارة الأزمات العربية والإقليمية والدولية. وهذا رصيد ثمين ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه، لا إضعافه بمواقف منفردة قد تمس تماسك المنظومة الخليجية.
العمق الاستراتيجي والانضباط الجماعي: اليمن وفلسطين
ومن المهم، في إطار هذه المراجعة، إعادة النظر في طبيعة علاقاتنا مع جوارنا المباشر، ولا سيما مع الدول العربية القريبة من محيط الخليج. فبلدان مثل اليمن ليست مجرد جار جغرافي فحسب، بل تمثل عمقاً عربياً واستراتيجياً مهماً لدول الخليج، ومن الحكمة العمل على تحويل العلاقة معه من مصدر قلق وتوتر إلى قوة مضافة تعزز أمن الخليج واستقراره وتفتح آفاقاً أوسع للتكامل والتنمية المشتركة.
وفي قلب هذه المراجعة الشاملة ينبغي أن يظل واضحاً أننا عرب ومسلمون، وأن هذه الهوية ليست مجرد ماضٍ نستحضره، بل واقع نعيشه وأفق نحافظ عليه. فاللغة العربية مسؤولية حضارية، والقيم الإسلامية ثوابت توجيهية لا تتعارض مع التحديث، بل تمنحه بوصلته ومعناه. فالتحديث الحقيقي هو الذي يجدد الأدوات دون أن يقطع صلته بالأصالة.
ومن هنا، فإن التلاحم الخليجي المنشود لا يتحقق بالتمني، بل يتطلب قدراً من الانضباط الجماعي؛ بحيث لا تُقام علاقات أو تحالفات بمعزل عن ثوابت المنظومة الخليجية ومصالحها المشتركة. ومن بين هذه الثوابت التي لا تقبل المساومة: حق الشعب الفلسطيني الثابت في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
تحديات التركيبة السكانية ودور العقل المفكر
كما أن من القضايا الجوهرية التي ينبغي أن تحظى بمراجعة جادة ومسؤولة قضية التركيبة السكانية في دول الخليج؛ فهي ليست مجرد مسألة اقتصادية أو إدارية، بل مسألة تتصل اتصالاً مباشراً بـ الأمن المجتمعي والهوية الثقافية واستقرار المستقبل. ومن ثمّ فإن التعامل معها يتطلب رؤية متوازنة تراعي متطلبات التنمية والانفتاح، وفي الوقت ذاته تحافظ على التوازن الاجتماعي والثقافي الذي يشكل أساس استقرار مجتمعاتنا واستمرار هويتها العربية والإسلامية.
ولكي تكون هذه المراجعة جادة ومثمرة، فإن من الضروري إشراك الطاقات الفكرية والبحثية في المنطقة — من مراكز دراسات ومفكرين وأكاديميين وإعلاميين — في التفكير بمستقبلها؛ إذ لا يصح أن تبقى هذه الكفاءات في المقاعد الخلفية بينما يُرسم مستقبل المنطقة.
وخلاصة القول :
إنني أشاطركم مبدأ المراجعة الجادة لتجربتنا، لكن هذه المراجعة ينبغي أن تكون شاملة ومتوازنة، تمتد من منظومتنا الأمنية وتحالفاتنا الاستراتيجية إلى منظومة القيم والهوية والتركيبة السكانية، حتى تمضي دول الخليج إلى مستقبلها بثقةٍ واستقرار.
