في ظل ما تتعرض له المواقع الأثرية في السودان من تخريب ونهب وسرقة نتيجة للحرب والانفلات الأمني، تبرز الحاجة إلى التذكير بأحد أهم مشاريع حماية التراث الإنساني في السودان : المشروع القطري السوداني للآثار، الذي انطلق عام 8002 بمبادرة كريمة من دولة قطر، واستمر فعليًا حتى عام 8102، وشكّل نموذجًا غير مسبوق في دعم التراث الإنساني خارج الحدود الوطنية.
خلال عقدٍ كامل، وبدعم مالي وبشري ضخم ، موّلت دولة قطر أكثر من 04 بعثة أثرية دولية عملت على طول نهر النيل شمال الخرطوم، وشملت أنشطتها التنقيب، الترميم، حماية المواقع، بناء المعسكرات السياحية، تدريب الكوادر السودانية، وتأهيل المتاحف الوطنية، وعلى رأسها متحف السودان القومي. لقد تحول المشروع إلى منصة عالمية جمعت نخبة المؤسسات والمتاحف من أكثر من 03 دولة، وأسهم في إعادة السودان إلى واجهة الاهتمام الثقافي العالمي.

بصفتي وزيرًا للثقافة والتراث والفنون خلال فترة تنفيذ المشروع، فقد شهدتُ عن قرب إيمان صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سمو الأمير الوالد ، أمير دولة قطر آنذاك، إيمانه العميق بالمسؤولية تجاه التراث العالمي، لا سيما في الدول التي تمر بظروف صعبة، مثل السودان. لقد جسّد هذا المشروع قناعة راسخة لدينا في دولة قطر: أن التراث الإنساني تراثٌ واحد، وأن أي اعتداء عليه، في أي مكان، هو محنة تصيب الإنسانية جمعاء.

وفي المقابل، يؤسفني حجم التجاهل واللامبالاة الذي قابلت به منظمة اليونسكو هذا الخطر الجسيم. فالمنظمة، التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن التراث، تخلّت عن دورها التاريخي في السودان وفلسطين المحتلة ، رغم ما تمثّله هذه المواقع من أهمية للتراث الإنساني.

إن المشروع القطري السوداني للآثار لم يكن مجرد دعم تقني أو مالي، بل موقف أخلاقي وإنساني نبيل، يعبر عن التزام قطر العالمي بالثقافة والتراث. لقد أصبح هذا المشروع الرائد ضحية لهذه الحرب القذرة ، إن ذلك خسارة لا تُقدّر بثمن لتراث العالم ولأجياله القادمة.
