أبريل 29

في زمن التوتر والصراعات.. تشارلز الثالث يذكّر العالم باحترام الأديان والتعايش

عرفت صاحب الجلالة الملك تشارلز الثالث عن قربٍ نسبيّ في مناسبتين خلال زيارتيه إلى قطر حين كان وليًّا للعهد، وذلك عندما كنتُ وزيرًا للثقافة. تشرّفتُ باستقباله في مناسبة ثقافية راقية بقرية كتارا الثقافية، حيث كانت اللقاءات قصيرة تفرضها البروتوكولات الدبلوماسية، والأحاديث مقتضبة. لكن بعض الشخصيات – كما يقال – تستطيع في دقائق معدودة أن تقول الكثير، بل أن تترك أثرًا لا يُمحى. كان واضحًا لي يومها أنه يحمل احترامًا صادقًا وعميقًا للدين الإسلامي، وتقديرًا حقيقيًا للحضارة العربية والإسلامية، واهتمامًا صادقًا بكل ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم.

لذلك، عندما استمعتُ إلى خطابه التاريخي أمام الكونغرس الأمريكي، عادت إلى ذهني تلك اللقاءات العابرة بقوة. فهمتُ حينها لماذا أصرَّ على القيام بهذه الزيارة المهمة رغم الظروف الدولية المعقدة والاعتراضات التي أثيرت حولها. أراد أن يوصل، من أعلى منبر سياسي في العالم، رسائل تتجاوز اللحظة السياسية الضيقة إلى آفاق أرحب.

تحدث جلالته بهدوء ملكي مميز، وبلاغة هادئة خالية من الصخب السياسي المعتاد، عن أهمية التعايش بين الأديان، وعن أن الإيمان ينبغي أن يكون جسرًا للتفاهم لا سببًا للصراع. وأشار صراحةً إلى أنه خصَّص جزءًا كبيرًا من حياته لتعزيز الفهم المتبادل بين الأديان. كما أكد على قيمة التنوع، قائلًا إن مجتمعاتنا الحيوية والمتنوعة هي مصدر قوتنا الجماعية، وأن المجتمعات الكبرى تقوى باحتضان اختلافاتها لا بالخوف منها.

وتناول جلالته قضية البيئة بقوة، مؤكدًا أن حماية الطبيعة لم تعد ترفًا فكريًا، بل مسؤولية مشتركة عاجلة للحفاظ على كوكبنا. وذكّر بأهمية التحالفات الدولية، واحترام القانون الدولي، وصون المؤسسات الديمقراطية، والدفاع عن السلم والاستقرار العالمي.

كان الخطاب هادئًا في أسلوبه، عميقًا في معانيه، خاليًا من الضجيج السياسي، لكنه ممتلئ بالحكمة والرؤية البعيدة. وأحسب أن الملك تشارلز نجح نجاحًا باهرًا في مهمته؛ إذ قال ما أراد قوله بلغة القيادة الحقيقية: لغة الحكمة لا الصراخ، وبصيرة المسؤولية لا الاستعراض.

في زمن التوتر والصراعات، ذكّرنا جلالته بأن القيادة الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في رفع مستوى الرؤية، وليست في إثارة الخلافات، بل في بناء الجسور.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: كتابات



اقرأ أيضاً