خلال إقامتي في سيؤول ، جمعتني المصادفة بجلسة ودية مع مجموعة من الكوريين في الفندق. كعادتي، كان ذهني مشغولًا بقضايا السياسة، خصوصًا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعلاقات الثقافية بين الشعوب، وهي المواضيع التي طالما أوليتها اهتمامي. غير أنني فوجئت هذه المرة بأن النقاش لم يجد له مكانًا في تلك المساحات المعتادة.
فما هيمن على الجلسة، بل وعلى تفكير الجميع، كان الهمّ الاقتصادي. لقد طغى هذا القلق العالمي على كل شيء، حتى صار الحديث عن سواه يبدو ترفًا لا وقت له.
وجدت نفسي منخرطًا في حوار عن الاقتصاد، وهو مجال لا أدّعي شغفًا به، ولا اتقانا فيه.
لكن لا مفر من مشاركتهم القلق الذي أشاعته قرارات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، عندما فرض تعريفات جمركية على عدد من الدول، ثم قرر لاحقًا تجميدها – باستثناء جارهم. الأقرب الصين – لمدة 90يومًا.
ورغم أن هذا التجميد بدا كاستراحة قصيرة، إلا أنه لم يبدد المخاوف، بل زاد من ضبابية المشهد. فالأسواق لم تعد تدري إن كانت تتجه نحو رفع دائم للتعرفة، أم أن الهدنة مؤقتة وستتبعها قرارات أكثر قسوة. هذه المنطقة الرمادية التي دخلها الاقتصاد العالمي جعلت المستقبل غامضًا ومفتوحًا على احتمالات مقلقة.
لقد وحّد ترمب، بقصد أو من غير قصد، العالم على قلق مشترك: الخوف من المجهول الاقتصادي. لم يعد هذا الخوف حكرًا على الدول النامية، بل صار يهدد الاقتصادات الكبرى والمستقرة أيضًا.
ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: لماذا صار القرار الاقتصادي بهذه القدرة على زلزلة العالم؟ هل السبب ضعف المنظومة الاقتصادية العالمية؟ أم أن السياسة تغوّلت على الاقتصاد؟ أم أن العولمة نفسها كشفت هشاشة التوازنات التي بنتها على مدى عقود؟
مهما تكن الإجابة، فإن ما لا شك فيه هو أن العالم دخل مرحلة جديدة، لا تحكمها قواعد الاقتصاد الكلاسيكي، ولا تنسجم مع مفاهيم السياسة الدولية التقليدية. في هذا المشهد الجديد، بات لزامًا علينا إعادة التفكير في مفاهيم مثل “التحالف”، و”الاستقرار”، و”المصلحة”، لأن القرار الاقتصادي اليوم لم يعد مجرد أداة لتنمية الداخل، بل أضحى سلاحًا لرسم ملامح النفوذ على الخارطة الدولية.
