يوليو 25

انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو: قراءة في السياق، الدلالات، والمسؤوليات

ليس انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أمرًا جديدًا، فقد سبق أن انسحبت منها في مرات سابقة، لكن التوقيت الحالي والسياق السياسي يثيران تساؤلات حول موقع المنظمة، وقدرتها على أداء دورها كجهاز دولي مستقل يخدم مجالات التربية والثقافة والعلوم، بعيدًا عن التأثيرات السياسية.

حين كنت سفيرًا لبلدي في باريس بين عامي 1974 و1979، كنت أيضًا مندوبًا دائمًا لدى اليونسكو. وكنت أتابع عن قرب أداء المنظمة وأهميتها، خاصة في دعم الدول النامية، وحماية التراث، وتعزيز التعليم والحوار الثقافي. وقد آمنت آنذاك بأن اليونسكو يمكن أن تظل منصة دولية نزيهة ومستقلة، بعيدًا عن الأجندات السياسية.

من هذا الإيمان، ترشحتُ عام 2017 لمنصب المدير العام. وقد لقي برنامجي تأييدًا واسعًا من دول أفريقية وأميركية لاتينية وغيرها، وتفوقت على جميع المرشحين في الجولات الأولى. لكن في الجولة الأخيرة، أُعلن أولًا عن نتيجة متساوية بيني وبين المرشحة الفرنسية أودري أزولاي، ثم بعد دقائق، أُعلن فوزها بفارق صوت واحد. هذا التحول المفاجئ أثار علامات استفهام، خاصة أن فرنسا هي دولة المقر، وكان لها تأثيرها . لكن انتخاب مديرة عامة فرنسية جعل المنظمة تدور في في فلك السياسة الفرنسية.

منذ ذلك الحين، تراجع أداء اليونسكو بشكل ظاهر. ولم تعد حاضرة في القضايا الكبرى، وغابت عن الأزمات التي تمس جوهر اختصاصها. خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، تم استهداف الصحفيين، تدمير المواقع الأثرية، قصف المدارس والجامعات، وشلّ العملية التعليمية. ومع ذلك، لم تصدر المديرة العامة بيانًا يليق بحجم هذه الانتهاكات التي تضرب صميم اختصاص المنظمة ومبادئها.

أما انسحاب الولايات المتحدة مرة أخرى، فهو ليس فقط ضربة مالية، بل مؤشر سياسي خطير. فهو يُضعف شرعية المنظمة، ويكشف هشاشتها في مواجهة التوازنات الدولية. هذا الانسحاب يعكس فقدان الثقة، ويدفع باتجاه مزيد من التسييس والتراجع في الأداء.

ما يحدث اليوم ليس أزمة تمويل أو قيادة فقط، بل انعكاس لتراجع الثقة في المنظمات الدولية عمومًا. لم تعد هذه الكيانات قادرة على حماية رسالتها، ولا الدفاع عن مبادئها، وسط صمت دولي وتواطؤ سياسي.

إن إصلاح اليونسكو ممكن، لكنه يتطلب إرادة جماعية لإعادتها إلى دورها الحقيقي، بعيدًا عن النفوذ السياسي، وقريبًا من القيم التي أُسست عليها: حماية الثقافة والتعليم والعلوم، والوقوف مع الشعوب لا ضدها

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: ثقافة, كتابات



اقرأ أيضاً