كما عودتُ متابعي الكرام في كل رحلة، أشاركهم سلسلة من الانطباعات عن الأماكن التي أزورها، ومشاهداتٍ تجمع بين التاريخ والواقع.
وها أنا اليوم، في رحلتي إلى كوريا الجنوبية، أبدأ بتعريف موجز عن خلفية انقسام هذا البلد إلى كوريتين.
يخطر في بال الزائر فورًا سؤالٌ لا يمكن تجاوزه:
لماذا هناك كوريتان؟ وكيف انقسم شعبٌ واحد إلى شمالٍ وجنوبٍ يفصل بينهما جدارٌ من الأيديولوجيا والحديد؟
تبدأ الحكاية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين خرجت اليابان من شبه الجزيرة الكورية بعد احتلالٍ طويل، فقُسمت البلاد بين قوتين منتصرتين:
الاتحاد السوفييتي في الشمال، والولايات المتحدة في الجنوب.
كان التقسيم مؤقتًا، لكنه ترسّخ سريعًا، ثم اندلعت الحرب الكورية (1950–1953) لتثبّت الحدود ، تاركةً جرحًا مفتوحًا في جسد أمةٍ واحدة.
منذ ذلك الحين، سلكت الكوريتان طريقين متعاكسين:
في الشمال، نشأ نظامٌ مغلق يقوم على الفكر الشيوعي والقيادة المركزية، جعل من الاكتفاء الذاتي عقيدةً اقتصادية ومن الزعيم رمزًا لايمس .
وفي الجنوب، قامت دولةٌ حديثة تبنّت اقتصاد السوق، والتعليم، والانفتاح التكنولوجي، حتى أصبحت من كبرى اقتصادات آسيا، ومركزًا عالميًا للمعرفة والإبداع.
ورغم اختلاف الفلسفتين، يجمع بينهما هاجسٌ واحد: البقاء والهوية.
فالشمال يرى في عزلته صونًا لكرامته، والجنوب يرى في انفتاحه طريقًا لنهضته.
وبينهما، تمتد المنطقة المنزوعة السلاح رمزًا لصراعٍ لم يُغلق، ولحلمٍ بوحدةٍ قد تعود يومًا، إذا تغلّب التاريخ على السياسة.
