حين أزور مدينةً، أحرص أن أقدّمها لمتابعيّ كما أراها وما تحييه من ذكريات.
واليوم أقف في برن، المدينة الفدرالية لسويسرا، حيث يلتقي التاريخ بسحر الطبيعة، وحيث ينساب نهر “آر” العذب في حضنها كعقد زمردي يطوّقها بهدوء.
لي مع “برن”ذكريات دبلوماسية تعود إلى أعوام خدمتي سفيرًا لبلدي قطر في فرنسا بين عامي 1979 و1984، حين كنت أيضًا سفيرًا غير مقيم لدى سويسرا. كنت آتي إليها في مهمات رسمية، وأمشي بين أزقتها المرصوفة بالحجر، التي حافظت على ملامح العصور الوسطى، حتى أصبحت جزءًا من التراث العالمي لليونسكو.

اختيرت برن مقرًا للحكومة الفدرالية عام 1848، كحل وسط بين الكانتونات، بفضل موقعها المتوازن واعتدالها السياسي، لتكون قريبة من الجميع، بلا هيمنة ولا تفوّق على أحد. ورغم أنها ليست عاصمة دستورية، إلا أنها، منذ أكثر من قرن ونصف، تحتضن البرلمان والمكاتب الحكومية، وتروي للعالم حكاية بلد صغير المساحة، عظيم التأثير.

أما زيارتي اليوم، فهي مختلفة… زيارة شخصية بدعوة من ابن أخي العزيز سعادة السفير محمد جهام الكواري، سفيرنا في برن. وقد أيقظت هذه العودة في داخلي ذكرى أيام عطرة مع أصدقائي من السفراء، عربًا وغير عرب، الذين كنا نغادر باريس معًا نحو هذه المدينة، نحمل معنا مهامنا الدبلوماسية ونقتسم لحظات مهنية وإنسانية لا تُنسى.

ومما أحياه في ذاكرتي هذا المساء، صديق عزيز كان بالنسبة لي أكثر من زميل… كان أخًا أكبر ومعلمًا في الحكمة والرقي، هو الأستاذ سمير الشهابي، سفير المملكة العربية السعودية، الذي جمعتني به أيام لا تُنسى حين كنا نمثل بلدينا في نيويورك. تعلّمت منه الكثير ،وحين اختتم خدمته الدبلوماسية سفيرًا في برن، كانت هذه المدينة مسرحًا للقاءنا الأخير، قبل أن يرحل إلى رحمة الله، رحمه وأسكنه فسيح جناته، فقد ترك في القلب فراغًا لا يملؤه إلا الدعاء وذكريات الوفاء.

وفي ختام هذا اليوم، كنت على موعد مع عشاء بدعوة كريمة في فندق Bellevue العريق، ذاك المكان الذي يحمل بين جدرانه شيئًا من عبق الماضي. هناك، وبين أضواء القاعة وأنفاس التاريخ في زواياها، فتحت الذاكرة أبوابها على مصراعيها، وأثارت في النفس أشجانًا ومشاهد مضت، لكنها ما زالت حية في القلب.
