ضيوف الحاضر وأمل المستقبل: حين تصنع الحكاية جسور المعرفة
كنتُ أنا وأم تميم سعداء أمس بزيارة من نوعٍ خاص، زيارة اختلفت عن كثير من الزيارات التي اعتادت مكتبتنا أن تستقبلها. فقد جاء الضيوف هذه المرة من الأطفال وعائلاتهم، وحين يكون الزائرون أطفالاً فإن للمشهد معنى آخر، وللفرح طعماً مختلفاً. إن الأطفال هم قرّاء المستقبل يدخلون إليك بخطوات صغيرة، وعيون واسعة، وأسئلة لا تنتهي، وأحلام أكبر من أعمار أصحابها.
أبعاد الزيارة: عام الثقافة ومبادرة “قطر تقرأ”
جاءت هذه الزيارة ضمن برنامج عام الثقافة قطر – كندا – المكسيك 2026 ومبادرة «قطر تقرأ»، بمشاركة الكتّاب والقرّاء الصغار، وبحضور سعادة السفير الكندي كريم مرقص وعقيلته، فكانت الزيارة في جوهرها أكثر من نشاط ثقافي؛ كانت صورة جميلة للعلاقة الإنسانية والثقافية التي تجمع الشعوب، وتجسيداً لما تستطيع الثقافة أن تبنيه من جسور.
وللمناسبة عندي معنى شخصي أيضاً، فقد سبق لي أن تشرفتُ بتمثيل دولة قطر سفيراً في كندا، وأعرف جيداً كيف تصنع القصة جسور المعرفة، وكيف تستطيع الكتب أن تقرّب بين الشعوب أسرع مما تفعله المسافات.
حديث من القلب: ذكريات كندية بروح الحكاية
وتحدثتُ مع الأطفال يومها بقلبي قبل كلماتي، وسردتُ لهم قصصاً من حياتي وحياة أطفالي، لأنني أؤمن أن الطفل لا يتذكر المعلومة بقدر ما يتذكر الحكاية.
-
احترام التنوع البصري والحضاري: حكيتُ لهم عن كندا، ذلك البلد الذي اختار أن يجعل من التنوع جمالاً وقوة، وكيف أن له لغتين رسميتين: الإنجليزية والفرنسية. ورويتُ لهم كيف قدمتُ أوراق اعتمادي لحاكمة كندا مقسّمة إلى ثلاث فقرات: بالعربية والإنجليزية والفرنسية، احتراماً لهذا التنوع الجميل وتقديراً لثقافة البلد الذي كنت أمثل فيه وطني.
-
شتاءات كيبك الساحرة: ثم أخذتهم معي إلى شتاءات كيبك الساحرة، حين كنتُ أصطحب أطفالي إلى البحيرة التي تتحول في الشتاء إلى أرض من الثلج تسير عليها المركبات، وسط دهشة الأطفال وفرحتهم. ثم ابتسمتُ لهم وقلت: «غادرتُ كندا… ولم أرَ تلك البحيرة صيفاً أبداً»، فضحكوا، وربما أدركوا أن لكل مكان أسراره التي لا تنتهي.

الاستثمار الحقيقي: من قراء اليوم إلى قادة الغد
أسعدني كذلك أن أرى مكتبتي، التي شهدت عبر السنوات لقاءات مع شخصيات فكرية وثقافية ودبلوماسية عديدة، واحتضنت مجلس الثلاثاء ورواده، تستقبل هذه الفئة الجميلة من الضيوف… ضيوف الحاضر وأمل المستقبل.
وكانت فرحة أم تميم كبيرة بهذه الزيارة، فهي تؤمن كما أؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الطفل، وأن الكتاب الذي يقرأه طفل اليوم قد يصنع قائد الغد، أو مبدعه، أو صاحب فكر يغيّر العالم.
خرج الأطفال من المكتبة يحملون كتباً وقصصاً… أما نحن فخرجنا منهم بالأمل. وما أجمل أن يغادر المستقبل بيتك وهو يبتسم.
