في أيامنا هذه، اختلط الحابل بالنابل، وانعكس ذلك بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، تلك الغابة المفتوحة التي يمتزج فيها الصالح بالطالح، وصاحب النية الحسنة بصاحب الغاية السيئة، والعاقل بالمخادع، والصادق بالمأجور.
وقد يُفهم هذا الاضطراب لو كان وليد العفوية وحدها، أو نتيجة اختلاف طبيعي في الآراء، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تدخل المخططات المنظمة، فيتحول الساذج، وحسن النية، والمتحمس بلا معرفة، إلى أدوات تُستغل من حيث لا يشعرون.
وفي هذه الغابة تبقى كلمات الحق موجودة، والمعلومة الصحيحة حاضرة، والرأي الموضوعي قائمًا، لكنها كثيرًا ما تُحاصر بضجيج الباطل. فإذا امتلك السيئون المال، وسخّروا الخبراء، ووضعوا الخطط، وأغرقوا الفضاء العام بسيلٍ من الرسائل الموجّهة والمحتوى المضلل، واستعانوا بأسماءٍ كبيرة لا تكتب عن قناعة، بل بعدما قبضت الثمن وباعت المبدأ، عندها تتجلّى المأساة.
هناك يختلط الحابل بالنابل حقًا، ويصبح المتابع هو الضحية، وتغدو الحقيقة أضعف الأصوات، بينما يتصدر المشهد المتآمر بما يملك من عدد، وما يسخره من مال، وما يجيده من تضليل.
ويبقى الرهان دائمًا على وعي الناس، لأن الكذب مهما علا صوته، يظل هشًا أمام بصيرة لا تُشترى.
