حين قلنا في نص سابق: “ليس كل نحن تمثّلنا”، لم يكن القصد تقييدَ حرية الرأي، ولا مصادرة حق أحد في التعبير لمجرد اختلافنا معه. فالأصل أن تعدّد الآراء هو الطريق الأقرب إلى الحقيقة، وهو دليل صحة في المجتمعات الحية، لا علامة ضعف أو انقسام.
النهضة التعليمية وبناء الجيل الواعي
ومن الإنجازات الكبرى للنهضة التعليمية التي شهدتها مجتمعاتنا بناء جيل مثقف واعٍ، قادر على التعبير عن رأيه والمساهمة في رسم ملامح مستقبله. ومن المشروع — بل من المُستحسَن — أن تتعدد الآراء داخل هذا الجيل، خاصة حين تكون القضايا المطروحة على درجة عالية من الأهمية، وتمسّ الشأن العام.
فالاختلاف هنا ليس خروجاً عن الصف، بل اجتهادٌ في خدمة المصلحة العامة، ما دام يلتزم أطر التعبير المشروع، ويتحرى النفع لا الإضرار.
ثنائية الخطأ: الادعاء والإقصاء
إن الخطأ لا يكمن في تعدد الآراء، بل في أمرين متناقضين:
-
الادعاء: أن يقدّم الفرد رأيه وكأنه رأي الجميع.
-
الإقصاء: أن يُقصى المختلف لمجرد أنه لم يوافقنا.
وبين هذين الطرفين، تضيع مساحة الحوار الصحي، التي تقوم على الاحترام المتبادل، والمناقشة الموضوعية، والاحتكام إلى المصلحة العامة لا إلى الانفعال أو التصنيف.
الوطن لا يُبنى بالصوت الواحد
بقدر ما ندعو إلى تحاشي الادعاء بأن رأياً واحداً يمثل الجميع، ندعو أيضاً إلى اتساع الصدر لتعدد الآراء، وعدم إخراج المختلف من دائرة الانتماء أو التشكيك في وطنيته. فالوطن لا يُبنى بالصوت الواحد، بل بتكامل الأصوات التي تتحرك في إطار المرجعيات الجامعة، والحرص الصادق على المصلحة العامة.
إن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى الاختلاف، بل تنظّمه وتستثمره. فهي تدرك أن وحدة الصف لا تعني وحدة الرأي، وأن الإجماع الحقيقي لا يُفرض، بل يتكوّن عبر الحوار والنقاش وتبادل وجهات النظر.
خلاصة القول: ميثاق الحوار الوطني
والقاعدة الأعدل: نرفض التحدث باسم الجميع بغير تفويض، ونرفض في الوقت نفسه تضييق مساحة الرأي. فليكن النقاش واسعاً، والرأي حراً، والحوار موضوعياً… ما دام الجميع يتحرك في فضاء الوطن والأمة، وفي إطار قيمهما المؤسِّسة، وبوصلة مصلحتهما العليا.
