فبراير 24

حين يتكرر التاريخ: من آرثر بلفور إلى مايك هاكابي

في عام 1917، أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور وثيقةً من بضعة أسطر، أعطى فيها من لا يملك لمن لا يستحق. غير أن المأساة لم تكن في النص وحده، بل في المناخ الذي استقبله؛ إذ استُقبل بالتهوين والتشكيك في قابليته للتنفيذ، فتمدد الصمت حتى صار الوعد اعترافًا، والاعتراف هجرةً، والهجرة دولة. وهكذا ضاعت فلسطين في المسافة الفاصلة بين الاستخفاف بالفعل وتأخر الرد.

أبعاد تكرار التاريخ في فلسطين في الخطاب السياسي المعاصر

اليوم يعود المشهد بملامح جديدة وأدوات أشد صراحة. فالسفير الأمريكي المعيّن في إسرائيل، مايك هاكابي، يتحدث عن الضفة الغربية بوصفها “يهودا والسامرة”، ويمنح بخطابه غطاءً سياسيًا لمشاريع التوطين والضم. والخطر هنا لا يكمن في العبارة ذاتها فحسب، بل في موقع قائلها؛ فالسفير لا ينطق بصفته الفردية، بل بصفته ممثلًا لدولة تملك حق النقض في مجلس الأمن، وتوفر لإسرائيل غطاءً عسكريًا وماليًا ودبلوماسيًا واسعًا. وحين يصدر الكلام من هذا الموقع، فإنه يتحول من رأي إلى إشارة، ومن إشارة إلى سياسة، ومن سياسة إلى واقع مادي يصعب اقتلاعه.

كيف يتشكل تكرار التاريخ في فلسطين عبر مراحل متدرجة

ومن يستوعب درس بلفور يدرك أن التحولات الكبرى تبدأ بجملة تُقال في لحظة تبدو عابرة. فالتصريح يمهّد للقرار، والقرار يُنتج إجراءً، والإجراء يُرسّخ أمرًا واقعًا، ثم يأتي من يقول: لقد أصبح الأمر قائمًا فلا جدوى من مقاومته. هكذا يُصنع التاريخ على مراحل، وهكذا يُختبر وعي الأمم.

فهل يتكرر الخطأ ذاته؟

الموقف العربي في سياق تكرار التاريخ في فلسطين

إن موقف المملكة العربية السعودية الرافض، وما لقيه من تأييد عدد من الدول، خطوة شجاعة ومحمودة، لكنها تظل بداية الطريق لا نهايته. فالرفض اللفظي، مهما كان واضحًا، لا يوقف مشاريع تُنفَّذ على الأرض ما لم يتحول إلى استراتيجية جماعية منسقة، تربط أي مسار تطبيعي بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية ربطًا لا يقبل الالتفاف. والمطلوب يتجاوز البيانات إلى تحرك دبلوماسي موحد في إطار جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وإلى تفعيل الشراكات مع القوى الدولية الأخرى لتوسيع دائرة الضغط وعزل هذا التوجه سياسيًا وأخلاقيًا.

الدرس التاريخي: وعي تكرار التاريخ في فلسطين

العرب عام 1917 لم يكونوا جميعًا غافلين؛ كان فيهم من أدرك وحذّر. لكن الصوت الفردي، مهما علا، لا يصمد أمام مشروع منظم يعرف غايته ويسير إليها بثبات. الدرس إذن ليس جلد الذات، بل تحويل الوعي إلى فعل، ورد الفعل إلى رؤية، والرؤية إلى سياسة مستدامة.

قراءة استراتيجية في تكرار التاريخ في فلسطين

ما يُقال اليوم على لسان سفير القوة العظمى ليس زلة لسان تُجابَه بتصريح مضاد، بل مؤشر على تصور استراتيجي يعاد طرحه بوضوح أكبر. ومواجهة تصور كهذا لا تكون بالانفعال، بل ببناء تصور مقابل يمتلك وضوح الهدف، وتماسك الأدوات، وامتداد النفس.

فإن تقاعس العرب، فلن يعجز المؤرخون عن إعادة صياغة ما كتبوه عن عام 1917. غير أن الفارق هذه المرة سيكون أشد قسوة: فالهامش المتبقي للخسارة أضيق، والوقت أسرع، والوقائع تُصنع على مرأى العالم كله.

إن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يختبر الأمم في الموضع ذاته: عند لحظة الكلام الأولى — هل تُفهم بوصفها بداية مسار، أم تُترك حتى تتحول إلى قدر؟

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: كتابات



اقرأ أيضاً