أبريل 3

جامع الوالد عبدالعزيز بن عمران: رسالة وفاء وذاكرة حيّة بالإيمان

“إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ”

في أول جمعةٍ تُقام في جامع الوالد عبدالعزيز بن عمران، وقفتُ بين الصفوف وقلبي ممتلئٌ بما لا تستطيع الكلمات أن تُحيط به… شعرتُ كأن الزمن انسحب بي برفقٍ إلى سنواتٍ بعيدة، حين كان الوالد – رحمه الله – يخطو إلى هذا المكان بطمأنينته المعهودة، يرافقه أبناؤه وأحفاده وجيرانه، في مشهدٍ كان يختصر معنى العبادة حين تُغرس في القلوب قبل أن تُؤدَّى في الأجساد.

روح المسجد وذكرى الوالد

للجمعة حرمتُها، وللمساجد روحُها، فإذا اجتمعتا في بيتٍ بُني على نيةٍ صادقة، تحوّل المكان إلى ذاكرةٍ حيّة، تنبض بالدعاء، وتستحضر وجوهًا غابت عن العيون ولم تغب عن القلوب. كنتُ أصلي اليوم، وك وكأن الوالد يقف بيننا، يطمئن على الصفوف كما كان يفعل، حريصًا على أن يزرع فينا حبّ الصلاة، ويجعل من المسجد بيتًا تتلاقى فيه القلوب قبل أن تلتقي الأجساد.

تذكّرتُه وهو يفيض سعادةً كلما امتلأ المسجد بأولاده وأحفاده وجيرانه، فقد كان يرى في ذلك امتدادًا للخير لا ينقطع، ويعلم أن للجار مكانةً عظيمةً في الإسلام، وأن اجتماع أهل الحي على الصلاة هو من أجمل صور الألفة التي يُحبّها الله.

إعادة البناء: امتداد للأثر والوفاء

وحين توفاه الله، سعينا – بتوفيقٍ منه سبحانه – إلى إعادة بناء هذا المسجد، فاتّسعت مساحته، وعلت أدواره، وتزيّن بوقارٍ يليق ببيتٍ من بيوت الله؛ وكأن البناء كان رسالة وفاء، ومحاولةً متواضعة لتمديد أثر رجلٍ عاش عمره مرتبطًا بالمسجد ارتباط المحبّ بمحرابه.

وكم كانت سعادتي عظيمةً حين التفتُّ يُمنةً ويُسرةً، فوجدتُ نفسي محاطًا بأولاد إخواني وأبنائهم، والبهجةُ تعلو وجوههم وتُضيء الصفوف من حولي. رأيتُ فيهم امتداد هذا الرجل الكريم، وتجلّي دعائه الذي طالما رفعه بأن يرى ذرّيته متوافدةً على بيوت الله. فأيّ نعمةٍ أجلّ من أن يرى الإنسان بعينيه ثمر ما زرعه غيره بيمينه؟

حضور الغائبين ودعاء الخاتمة

وفي هذه الجمعة الأولى بعد تحويله إلى جامع، غمرني شعورٌ عميق بأن الغائبين كانوا حاضرين… الوالد، والأخوَين جهام وسعود، والابن هلال بن جهام، وتميم بن حمد – رحمهم الله جميعًا – كأن أرواحهم تحفّ بالمكان، وكأن الدعاء يرتفع لهم مع كل تكبيرةٍ وكل سجدة.

يا ربّ، كما جمعتنا في هذا البيت على ذكرك، فاجمع موتانا في واسع رحمتك، واجعل هذا الجامع صدقةً جاريةً لهم، ونورًا في قبورهم.

اللهم عمّر مساجدك، واجعل المساجد منارات هداية، وألّف بها القلوب، وبارك في كل من أسهم في بنائها أو أدّى فيها صلاةً أو دعاءً. رحم الله موتانا وموتى المسلمين، وجعل بيوتَه عامرة بالطاعة.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: كتابات



اقرأ أيضاً