جرهارد فلتون… حين يصبح الوفاء المتبادل جزءًا من تاريخ قطر
على ضفاف بحيرة تنغرنسي في بافاريا، التقيت بعد غياب طويل بالصديق الألماني جرهارد فلتون. وما إن جلسنا حتى وجدت نفسي أمام شاهد حي على مرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث
أدركت قطر مبكرًا أن النهضة لا تقوم على المال وحده، بل على الإنسان. فاستقطبت الكفاءات، منحتهم الثقة، وقدّرت عطاءهم، حتى صار كثير منهم جزءًا من مسيرتها. وقصة جرهارد واحدة من أجمل هذه النماذج.
جاء إلى قطر بعد أن اختارته شيراتون أوروبا للإشراف على مشروعين كبيرين: تأسيس نادي الدوحة، ثم افتتاح وإدارة فندق شيراتون الدوحة. هناك التقى برئيس الديوان الأميري سعادة الدكتور عيسى غانم الكواري، فنشأت بينهما صداقة لم تنقطع، ومع المهندس هشام قدومي.
بدأ بنادي الدوحة، أول نادٍ اجتماعي ورياضي حديث في البلاد، الذي سرعان ما أصبح مركزًا للحياة الاجتماعية والثقافية والرياضية، واستضاف فنانين عالميين أبرزهم فيروز، إلى جانب البطولات والفعاليات.

ثم جاءت المهمة الأكبر: افتتاح شيراتون الدوحة، الذي لم يكن مجرد فندق، بل رمزًا لمرحلة أرادت فيها قطر أن تقدم نفسها للعالم بثقة وطموح. وخلال البناء كان يلتقي باستمرار بصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (ولي العهد آنذاك)، الذي كان يتابع المشروع بنفسه ويهتم بأدق التفاصيل، مؤمنًا ببناء الإنسان وإعداد كوادر قطرية لقيادة قطاع الضيافة، وهو ما تحقق لاحقًا.
ويروي جرهارد قصة تكشف جانبًا من شخصية الأمير الوالد: بعد سنوات من نجاحه، قررت الشركة نقله خارج قطر. فرفض سموه الانتقال، وأبلغ الشركة أنه يريد استمراره، بل أبدى استعداده لنقل إدارة الفندق إلى شركة أخرى إن أصرت. فتراجعت وجددت عقده.
امتدت مسيرته بعدها لدعم الحركة الرياضية، والمساهمة في بدايات بطولة قطر الدولية للتنس، والإشراف على توسعة مرافق الشيراتون. وعندما طلب التقاعد، دُعي من جديد للإشراف على افتتاح فندق الشعلة، ليستمر عطاؤه حتى أمضى قرابة أربعة عقود في خدمة قطاع الضيافة في قطر.
لم يخفِ جرهارد محبته وامتنانه لقطر التي صارت وطنًا ثانيًا له ولأسرته التي شاركته الرحلة، قبل أن يفجع بوفاة زوجته مونيكا ثم بفقد ابنه الأصغر في حادث مؤلم.
أما أنا، فكنت أستعيد وأنا أستمع إليه سنوات ارتبطت فيها شخصيًا بشيراتون الدوحة ودوره الوطني والثقافي، واحتضانه مؤتمرات وفعاليات شكلت محطات مضيئة في مسيرة الوطن.
