الرميلة .. لم يبق منها إلا الذكريات الجميلة ما إن تمر مناسبة صغيرة ،حتى ينفتح قلبك فجأة على أبواب من الزمن الجميل، فتغرق في بحر من الذكريات التي كنت تظنها نائمة إلى الأبد ، وكأن السنين لم تمرّ، وكأنك طفلٌ يركض حافي القدمين على رمال الرميلة مرة أخرى.
ومن أعزّ وأجمل محطات العمر التي لا تزال تضيء حياتي ، تلك السنوات الذهبية التي عشتها طفلًا ثم شابًا في حي «الرميلة»… ذلك الحي الهادئ الذي كان يلامس البحر مباشرة، قبل أن يبتلعه التطور العمراني ويزيله من الوجود.
فبعد أن انتقل والدنا الحبيب عبدالعزيز بن علي بن عمران الكواري رحمه الله من الغارية إلى الرميلة ، بدأت تُكتب أجمل صفحات حياتي. اذ كان شاطئ الرميلة شاهدًا على طفولتي.
في الرميلة لم يكن الجيران مجرد جيران… كانوا أهلاً ومجتمعا واحدا ، أسرة «المسلم» و« العتيق الدواسر» و”السادة” صاروا جزءًا منا، وصرنا جزءًا منهم. كنا نتقاسم الخبز والهمّ والفرح والدمعة. النساء أخوات يتبادلن الأسرار والأطباق، والرجال إخوة يشدّ بعضهم بعضًا، والأطفال يعيشون كأنهم في بيت واحد كبير، يلعبون حتى يغيب آخر شعاع من الشمس.
وأجمل ما في الذاكرة… مجالس الآباء. مجلس والدي رحمه الله، ومجالس المسلم و العتيق والآخرين ، حيث كانت القهوة تُصبّ والكلام يجري بلا حواجز، والضحكات تملأ المكان. كانت المودة صادقة، والزيارات لا تحتاج دعوة، والقلوب مفتوحة .

اليوم، وبعد أن محت التطورات العمرانية الرميلة وأزالت معالمها إلى الأبد، أصبح الحنين إليها أعمق وأقسى. لم يبقَ منها سوى الذكريات… لكنها ذكريات حية، تشتعل كلما التقينا بأحد أبناء تلك الأيام. لذلك كلما رأيتُ واحدًا منهم، ارتاحت روحي واستراحت عيناي، ففي وجوههم أرى انعكاس طفولتي، وفي أصواتهم أسمع صدى ضحكاتنا التي ضاعت مع أحجار الحي القديم.
وكم كانت فرحتي عميقة أمس، حين جمعنا زواج أبناء أسرة المسلم ، عدنا نعيش ذكريات لا تنسى
جلست مع الأخ العزيز سعود بن محمد المسلم، واستعدنا أسماء رفاق الطفولة
: مجرن هجرس وحسين الدوسري الله يعطيهم العافية، وخليفة ياسر المسلم رحمه الله، وغيرهم ممن ملأوا طفولتي وشبابي نورًا.
تذكرنا دكان الإيراني “الأعور” الذي كنا نهرع إليه لشراء الخبز الطازج والباجلاء الساخنة، وكأننا نعود لنشمّ رائحته في حي لم يعد له وجود.
وعندما غادرتُ القاعة، التقيت بأبناء الأخ ياسر المسلم، فكان اللقاء وصلًا جديدًا لذكريات باريس حين عملنا معًا في السفارة، وامتدادًا لحبل المحبة الذي لم ينقطع يومًا.
إنها مجرد ومضات من زمن فات… لكنها ومضات لا تموت.
