تلقيت دعوة كريمة من الأخ العزيز غانم جاسم الغانم، صاحب «جاليري الحوش»، لحضور معرض «دمشق: انعكاسات من الداخل». ويُعد الغانم من خيرة المهتمين بالفنون التشكيلية في قطر، ومن أكثرهم حرصًا على أن تبقى الفنون الجادة حاضرة في فضائنا الثقافي.

وقد جاء توقيت المعرض متزامنًا مع احتفال أشقائنا السوريين بنجاح ثورتهم، فامتزج الفن بالفرح، والذاكرة بالأمل، وتجدّدت أمنيات صادقة لسوريا بمستقبل يليق بتضحيات أبنائها.
في افتتاح المعرض، قدّم المنظمون لمحات مكثفة من التجارب التي خرجت منها الأعمال:
سكين يشق ساق زهرة،
وجوه بلا ملامح،
حمرة بطيخ فوق خلفية رمادية،
ورسائل تبحث عن معنى الذات…
كانت تلك المفاتيح بداية فهم ما حمله الفنانون السوريون من ألمٍ وحنين وقوة داخلية.
وأنا أتجوّل بين اللوحات، كانت دمشق تستعيد حضورها في ذهني…
دمشقُ بداياتي الدبلوماسية،
ومدينـة السنة الأولى من الزواج،
ومكان صداقات لا تُنسى.

وفيها دخلت ابنتي إيمان – حفظها الله – طفلة في شهرها الثاني، بعد مغادرتنا بيروت التي شهدت ولادتها. وفي دمشق وُلد شقيقها تميم، رحمه الله، فصار للمدينة مكانٌ فريد في قلبي.
وعلى المستوى الإنساني، يبقى احتضان أهل دمشق في الذاكرة أبديًا. فقد دخلت بيوتهم، وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، ولم أشعر يومًا إلا أنني واحد منهم. كان دفؤهم جزءًا من هوية تلك المرحلة التي شكلتني.
قبل أيام فقط، وفي محاضرة عامة، تجنّبتُ ذكر دمشق خشية ما يوقظه اسمها من وجع، ولكن سؤال فتاة سورية أعاد إليّ يقينًا بأن الصمت اعتراف، وأن دمشق حين تُستدعى، تعود بكل ما فيها من جمال ومحبة وغياب ووفاء.
وفي هذا المساء، وأنا أمشي بين أعمال فنانين بقوا في بلدهم رغم كل الظروف، شعرت أن الفن قادر على أن يحمل روح مدينة كاملة، وأن يكون شاهدًا على جراحها ومقاومتها وولادتها المتواصلة.
كل لوحة نافذة،
وكل تكوين استدعاء لذاكرة مكتومة تهمس:
ما زالت دمشق في القلب.
