تحتل دمشق موقعًا خاصًا في وجدان الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، فهي ليست مجرد محطة دبلوماسية في مسيرته، بل تجربة إنسانية وثقافية عميقة.
يرى فيها رمزًا للحضارة العربية الإسلامية، ومرآةً لتاريخٍ طويلٍ من المجد والعطاء، وفي الوقت نفسه شاهدًا مؤلمًا على المأساة التي لحقت بالمنطقة في العقود الأخيرة.
«دمشق ليست فقط مدينة الياسمين… إنها الذاكرة الحية للحضارة العربية، ومسرحٌ للمجد حينًا، وللألم حينًا آخر.»
دمشق… مهد الحضارات وحاضرة العروبة
يصف المؤلف دمشق بأنها مدينة الياسمين ومهد الحضارات، وحاضرة التاريخ العربي والإسلامي.
يرى فيها مدينةً تتنفس الأصالة، وتعبق بروح الماضي الممزوج بالحاضر، ويصفها بأنها «حصنٌ حصين من حصون العرب والمسلمين».
كانت دمشق، إلى جانب القاهرة وبيروت، من عواصم المسرح والفن العربي الكبرى، حيث ازدهرت فيها الثقافة والموسيقى والفكر الحر.
ويؤكد المؤلف أن اللغة العربية وجدت وطنها الحقيقي في سوريا، فيقول:
«ما كان للغـة العـربية وطنٌ كسورية.»
ويمتد حبّه لدمشق ليشمل مدنها العريقة مثل حلب وحمص وحماة، التي يرى أنها جسور الحضارة الممتدة بين الأمس واليوم.
التجربة الدبلوماسية والإنسانية
1. بداية المرحلة السورية
بعد تجربته الأولى في بيروت، انتقل الدكتور الكواري إلى دمشق سفيرًا لدولة قطر عام 1974، بعد أن كان قائمًا بالأعمال في لبنان.
جاء تعيينه نتيجة معرفته العميقة بسوريا وإعداده لمحضر اللقاء التاريخي بين الشيخ سحيم بن حمد آل ثاني (وزير الخارجية آنذاك) والرئيس حافظ الأسد عقب حرب أكتوبر 1973، وهو اللقاء الذي رسّخ العلاقات القطرية–السورية في تلك الحقبة.
«حين أعددتُ محضر اللقاء بين الشيخ سحيم والرئيس الأسد، شعرت أنني أكتب فصلًا من فصول التاريخ العربي الحديث.»
2. أول سفير قطري في دمشق
كان الدكتور الكواري أول سفير لدولة قطر في سوريا، وعمل هناك من عام 1974 حتى عام 1979، وهي مرحلة يعتبرها من أجمل سنوات عمره، له ولعائلته.
في دمشق، وجد دفء العلاقات الإنسانية، وكرم الضيافة العربية الأصيل، حتى أصبح كما يقول:
«أحببت سوريا… وأحبتني سوريا.»
3. علاقاته وشخصيات الذاكرة
ارتبط المؤلف بعلاقات وثيقة مع عددٍ من الشخصيات الفكرية والسياسية السورية البارزة، ومنهم الدكتور محمد الفاضل، مدير جامعة دمشق وأحد أبرز القانونيين العرب، الذي قُتل ظلمًا في الثمانينيات. كما يروي ذكرى لقاء جمعه بالموسيقار محمد عبد الوهاب أثناء رحلة طيران من دمشق إلى باريس — لقاء حمل معه عبق الفن والإنسانية في آنٍ واحد.
دمشق والمأساة التي جرحت الذاكرة
لم يكتفِ الدكتور الكواري بالحديث عن الجمال، بل سجّل ألمه ووجعه الإنساني لما حلّ بدمشق وسوريا في السنوات الأخيرة.
يكتب عنها بعاطفة موجعة، قائلاً إنها ما زالت تسكن القلب رغم الجراح:
«عشقٌ محبٌّ قلبه مكلوم بما يحدث… وأملٌ أن يعيد الله لها مجدها ومكانتها.»
1. المدن المهدّدة
يرى المؤلف أن المدن السورية العريقة — دمشق، حلب، حمص، حماة — تُباد اليوم، وتُمحى ملامحها، ويصف ذلك بأنه كارثة للتراث الإنساني وللذاكرة العربية.
2. الحاضر الأسود
يصف الواقع السوري بـ«الحاضر الأسود»، حيث تتنازع القوى على أرضها، وتتحول الخريطة إلى أشلاء.
ويعبّر بأسى عن استمرار القصف الإسرائيلي على دمشق وضواحيها دون ردع أو موقف حاسم من السلطة أو حلفائها.
3. الجولان الغائب
يتساءل المؤلف بمرارة:
«لماذا لا يُرفع الصوت لاستعادة الجولان؟ ذلك الجزء الغالي الجميل من سوريا، وكأن ضمه لإسرائيل صار من الماضي!»
4. الأصول السورية في الاغتراب
يستذكر المؤلف أن الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم كان من أصل سوري، من قرية يبرود القريبة من دمشق، ويروي لقاءه بعائلات سورية هناك لا تزال تحافظ على لغتها العربية وتقاليدها الأصيلة، رغم الغربة والمسافات.
دمشق في قلب المؤلف
لم تكن دمشق في حياة الدكتور الكواري مجرد محطة عمل، بل كانت وطنًا ثانٍ ومعلمًا روحيًا.
فيها ازداد إيمانه بأن العروبة ليست شعارًا سياسيًا بل انتماء حضاريًا وإنسانيًا، وأن الحفاظ على التراث هو حفاظ على الذاكرة الجماعية للأمة.
«في دمشق تعلمت أن العروبة ليست كلمة، بل نبضٌ في القلب، وأن المدن حين تنكسر لا تموت… بل تنتظر من يعيد إليها الحياة.»
