زيارات العمل، مهما كانت غنية باللقاءات والمباحثات، تظل محكومة بجداول صارمة لا تترك مجالًا لحرية الحركة . لكن حين تتحرر الزيارة من ضغوط المواعيد الرسمية، تتحول المدينة إلى كتاب مفتوح، تدعوك صفحاته لاستكشاف ملامحها بهدوء وتأمل.
برن، التي عرفتها سابقًا من خلف نوافذ قاعات الاجتماعات، كشفت لي هذه المرة عن وجهها الآخر؛ وجه آخر لم يتح لي معرفته في الزيارات الرسمية .

كانت البداية من حديقة الدببة، حيث يعيش الرمز الأقدم في وجدان المدينة. تقول الأسطورة إن مؤسس برن منحها اسمها بعد أن اصطاد أول دب في غاباتها، ومنذ ذلك الحين صار الدب أيقونة وشعارًا.

وحين دخل نابليون المدينة في القرن التاسع عشر، لم يقاوم إغراء أخذ دببتها معه إلى باريس كغنيمة غريبة! لكن أهل برن أعادوا لاحقًا دببتهم، لتظل الحديقة شاهدًا على هذه العلاقة الفريدة بين المدينة ورمزها.

ومن هناك، أخذتني الخطى إلى حديقة الزهور، حيث استقبلتني الألوان قبل العطر. مساحات مترفة بأزهار نادرة، وممرات يزينها تنسيق بديع للنباتات، جعلت المكان أشبه بلوحة حية ترسمها الطبيعة كل يوم. هنا يتوقف الزمن، وتصبح دقائق الجلوس بين الأزهار رحلة صافية للروح.

هكذا كانت برن هذه المرة: مدينة تكتب تاريخها في عيون دببتها، وتلون حاضرها بأزهارها، وتمنح زائرها قصة لا تنسى.
