مارس 23

راس لفان: إرادةُ وطنٍ وشعلةٌ لن تنطفئ

في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحاً إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعاً من نوعٍ آخر.

ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر؛ كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذاً وانهمر غيثاً. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم.

مصدر الصورة صحيفة الوطن القطرية

الطريق إلى المعجزة: من المغامرة إلى الحضارة

والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق.

وقفتُ على الشاطئ وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي تحمل إلى العالم غازاً يتحول إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لأن من اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحاً يصبر على جرحه وينتظر الشفاء.

ذاكرة الثمانينات: قرار الشجاعة

تذكّرتُ الثمانينات، يوم كنتُ سفيراً لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز. لم يكن القرار سهلاً:

  • تراجعت شركة «موبيل» الأمريكية لعدم قناعتها بجدواه.

  • حلّت محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت المستقبل.

  • انتصرت القيادة الشجاعة التي لا تعرف التردد.

المصدر صحيفة العرب القطرية

إرادة الشباب وعمق الجرح

هذه الإرادة هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم؛ شباب الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، لكنهم لم يفقدوا الثقة، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر.

وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله: الجار في ديننا أمانة، فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه يطعن القيمة ويمسّ الميثاق الذي جمعنا تحت سقف الإسلام. يغدو الألم أعمق من الكلمات، ويغدو الصمت أحياناً أبلغ من الخطب.

خاتمة: شروقٌ لا يتكرر

ستبقى يا راس لفان شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. ستزول الأخطار كما تزول كل غمّة، وسأعود إليك مشتاقاً، وسيكون الشروق في البحر مختلفاً كما كان دائماً.

لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: كتابات



اقرأ أيضاً