سبتمبر 13

أن تكون ابن عصرك.. تجربتي مع العالم الرقمي بين المعرفة والإنسان

لم ينتقل العالم إلى العصر الرقمي في يوم واحد. بدأت الرحلة بالحاسوب، ثم جاء الإنترنت فاختصر المسافات وفتح أبوابًا غير مسبوقة أمام المعرفة، ثم جاءت محركات البحث فأصبح الوصول إلى معلومة كانت تتطلب مكتبة ووقتًا وجهدًا ممكنًا في دقائق، ثم في ثوانٍ. ومع وسائل التواصل الاجتماعي حدث تحول آخر؛ فلم يعد الإنسان متلقيًا للمعلومة فحسب، بل أصبح قادرًا على إنتاجها ونشرها والمشاركة في الحوار حولها. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في صورته التوليدية، ليأخذنا خطوة أبعد: لم نعد أمام مخزن هائل للمعلومات نبحث فيه، بل أمام أداة نحاورها؛ نسألها فتجيب، ونطلب منها أن تشرح وتقارن وتلخص، ثم يبقى علينا أن نراجع ونفكر ونقبل أو نرفض.

خلال عقود قليلة انتقلت المعرفة من رفوف المكتبات إلى شاشة الحاسوب، ومنها إلى هاتف نحمله في جيوبنا، ثم إلى عقل اصطناعي نحاوره. وقد عشت جانبًا كبيرًا من هذا التحول، وحرصت، رغم عمري البيولوجي، على أن أكون ابن هذا العصر؛ لا متفرجًا عليه من بعيد، ولا أسيرًا للأدوات التي عرفتها في شبابي.

وما أكتبه هنا ليس دراسة للعالم الرقمي، ولا أدعي الإحاطة بكل آثاره. إنه حصيلة تجربة شخصية بدأت منذ تعاملي المباشر مع أدوات هذا العالم، وما راكمته خلالها من ملاحظات وتأملات في أثره عليّ وعلى من حولي. فمنذ دخلت هذا العالم لم أكن أستخدم أدواته فحسب، بل كنت أراقب ما تفعله بنا: ما تضيفه إلى معرفتنا، وما تغيره في عاداتنا وعلاقتنا بالكتاب والوقت والصورة، وبالآخرين وبأنفسنا.

* ومنذ بدأت علاقتي بوسائل التواصل الاجتماعي حرصت على التعامل معها بنفسي؛ كتابة وتصويرًا، ومؤخرًا حتى في التعامل مع الموسيقى. لم يدِرها آخرون لي، بل تعلمت إدارتها بالممارسة؛ أصيب مرة وأخطئ أخرى، أتعلم من الخطأ، وأطور ما أفعله، وأكتشف في كل مرحلة شيئًا جديدًا. ولعل هذا التعامل المباشر هو الذي أتاح لي أن أرى هذا العالم من داخله، لا أن أحكم عليه من بعيد.

وكان من أجمل ما فتحه لي العالم الرقمي أبواب جديدة للمعرفة. فالكتاب، بالنسبة إليّ، ظل وسيظل صاحب مكانة خاصة. لا أتصور أن وسيلة حديثة تستطيع أن تلغي تلك العلاقة الحميمة بين القارئ والكتاب المقروء؛ أن تتوقف عند عبارة، وأن تعود إلى صفحة، وأن تضع علامة على هامش، وأن تمنح الفكرة وقتها من التأمل.

لكن التقنية لم تأخذني من الكتاب، بل وسّعت الوقت الذي أعيش فيه معه.

فالكتاب الصوتي أعادني، بعد عقود، إلى مؤلفات كبار قرأتهم في شبابي؛ عدت إلى طه حسين والعقاد والرافعي وغيرهم، أستمع إليهم اليوم بأذن تحمل تجربة عمر لم تكن لدي عندما قرأتهم أول مرة. كما أتاحت لي هذه الوسائل الاستماع إلى مؤلفين ومواد معرفية بالإنجليزية والفرنسية. وكان معظم ذلك في الإجازات، ولا سيما الطويلة منها، وأثناء ممارستي لرياضتي المحببة، المشي. ساعات لم تكن تسمح لي بأن أمسك كتابًا وأقرأه، أصبحت ساعات للمعرفة. وهكذا لم يأت الكتاب الصوتي ليحل محل الكتاب المقروء، بل ليمنح القراءة وقتًا جديدًا.

ووسائل التواصل نفسها فتحت أبوابًا أخرى. قربت إلينا العلماء والكتاب والمفكرين، وأتاحت الوصول إلى محاضرة أو حوار أو معلومة من أي مكان في العالم. ولم يعد الإنسان ينتظر أن تصل إليه المعرفة من مؤسسة بعينها؛ أصبح يستطيع أن يبحث عنها، وأن ينتقي منها، وأن يبني لنفسه، إذا أراد، مسارًا مستمرًا للتعلم.

لكن تجربتي الإيجابية معها لا تجعلني أغفل وجهها الآخر. فالوسيلة التي تفتح لك في دقائق أبوابًا واسعة للمعرفة تستطيع أن تسرق منك في الوقت نفسه أثمن ما تملك: وقتك وتركيزك. وهي التي قرّبت العالم والمتخصص من الناس، منحت في الوقت نفسه المنبر ذاته لمن يتحدث بلا علم ولا تثبت. ومع هذا الفيض الهائل، لم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل في القدرة على اختيارها والتحقق منها. فليس كل من كثرت معلوماته قد اتسعت معرفته، وليس كل من أمضى ساعات أمام الشاشة قد تعلم.

* ولعل أكثر ما يستوقفني أثر هذا العالم في علاقاتنا الإنسانية. لقد «قرّب البعيد وأبعد القريب». تستطيع اليوم أن تتحدث إلى إنسان في أقصى الأرض، وأن تراه وتشاركه تفاصيل يومه في اللحظة نفسها، وهذا إنجاز لا يمكن إنكاره. لكن المفارقة أن تجتمع الأسرة في غرفة واحدة، ويكون كل فرد منها في عالمه؛ هذا ينظر إلى هاتفه، وذاك غارق في شاشته، فنكون قريبين بالأجساد متباعدين بالاهتمام. لقد هزمت التكنولوجيا المسافات بين القارات، لكنها لم تضمن لنا القرب ممن يجلس إلى جوارنا.

حتى السفر تغير. كان المسافر قديمًا يعود وفي حقيبته حكايات كما يعود بالهدايا. يجتمع حوله الأهل والأصدقاء: ماذا رأيت؟ أين ذهبت؟ من قابلت؟ وما الذي أدهشك؟ وكان للحكاية طعم لأن شيئًا بقي للعودة، وكان في انتظار أخبار المسافر شغفٌ خاص. أما اليوم فنرافق المسافر لحظة بلحظة؛ نرى المطار والطريق والفندق والطعام والمشهد الذي يراه، وربما نعرف تفاصيل يومه قبل أن ينتهي. لقد قرّبتنا التكنولوجيا من المسافر، لكنها قتلت ذلك الشغف الذي كان يجعلنا ننتظر أخباره، وحين يعود نكون قد شاهدنا معظم ما كان سيحكيه. جعلتنا التكنولوجيا أكثر حضورًا في حياة بعضنا، لكنها تركت لنا أحيانًا حكايات أقل حين نلتقي.

والصورة بدورها تقدم واحدة من أغرب مفارقات هذا العصر. لقد خدمها العالم الرقمي كما لم يخدمها عصر من قبل. أصبح كل إنسان تقريبًا يحمل كاميرا في جيبه، يوثق اللحظة وينقلها إلى العالم في ثوانٍ، وقد يكون عابر سبيل أول من يوثق حدثًا يدخل التاريخ.

لكن التكنولوجيا التي أعطت الصورة هذه القوة أخذت منها شيئًا من يقينها. بدأ الأمر بالتعديل والفلاتر، ثم وصل مع الذكاء الاصطناعي إلى إمكان صنع صور ومشاهد تبدو حقيقية لأشياء لم تحدث أصلًا. وبعد أن كانت الصورة شاهدًا على الحدث، أصبحنا أحيانًا نحتاج إلى شاهد على الصورة نفسها. لم يعد السؤال فقط: ماذا تقول الصورة؟ بل أصبح قبله: هل هي حقيقية؟

* ثم جاءت تجربتي مع الذكاء الاصطناعي، وكانت امتدادًا طبيعيًا لحرصي على ألا أقف خارج العصر. لم أدرسه دراسة تقنية، ولم أتلقَّ دورة في كيفية التعامل معه. تعلمته بالطريقة التي تعلمت بها كثيرًا من أدوات العالم الرقمي: بالممارسة. أسأل وأجرب، أصيب وأخطئ، أكتشف قدراته وحدوده، وأتعلم مع كل تجربة كيف أصوغ السؤال بصورة أفضل، وكيف أراجع الإجابة، ومتى أقبلها ومتى أشك فيها ومتى أخالفها. لم أكن أتعلم من الذكاء الاصطناعي فحسب، بل كنت أتعلم أيضًا كيف أتعامل معه.

وأذكر في بدايات هذه العلاقة أن أحد أحفادي وقف يستمع إليّ وأنا أتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وبدا عليه شيء من الدهشة: كيف لجده، في هذا العمر، أن يتعامل مع تقنية ربما ظن أنها تنتمي إلى جيله هو، وأن جيلنا سيقف منها موقف المتفرج؟ بقي ذلك المشهد في ذهني؛ لأنه ذكرني بأن الفجوة بين الأجيال ليست دائمًا مسألة عمر، وإنما قد تكون أحيانًا مسألة استعداد للتعلم.

ولعل مشهد حفيدي جعلني أتأمل فارقًا آخر بين الأجيال في التعامل مع الذكاء الاصطناعي. فمن يبدأ التعامل معه بعد السبعين، كما حدث معي، يأتي إليه وفي رصيده عقود من القراءة والتجربة والمعرفة؛ فما تقدمه له هذه الأداة يكون إضافة إلى بناء قائم، يستطيع أن يقارنه بما يعرف، وأن يناقشه ويشك فيه ويرفضه حين يقتضي الأمر. أما الشاب الذي يبدأ حياته والعقل الاصطناعي إلى جواره، فربما يواجه خطرًا من نوع آخر: أن تمنحه سهولة الوصول إلى المعلومة شعورًا بأنه لم يعد بحاجة إلى مشقة تحصيل المعرفة؛ فما حاجته إلى القراءة والبحث والتذكر، إذا كان كل شيء متاحًا أمامه في ثوانٍ؟

وهنا أخشى ألا تكون المشكلة في أن الذكاء الاصطناعي سيعرف أكثر من الإنسان، بل في أن يقتنع الإنسان بأنه لم يعد محتاجًا إلى أن يعرف، ما دام يستطيع أن يسأل.

* ثم جاءت تجربة أخرى لم أنسها. ذهبت لصلاة الجمعة في مسجد صغير في منطقتي في الشمال، وغاب الإمام، وأخذ الحاضرون يتساءلون عمن سيؤم الناس، وكنت مستعدًا لذلك. لكن خطرت لي تجربة لم أكن أعرف إلى أين ستقودني. أخرجت هاتفي وسألت الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع أن تكتب لي خطبة جمعة عن الصبر؟ ولم أكن أتوقع كثيرًا، فإذا به يقدم في ثوانٍ خطبة، ثم خطبة ثانية، بلغة دينية سليمة أدهشتني يومها. لم تكن أهمية الحادثة عندي في أن تحل الآلة محل الخطيب أو العالم ـ ولا ينبغي لها ذلك ـ وإنما في أنني أدركت في تلك اللحظة حجم التحول الذي حدث في الوصول إلى المعرفة وإعداد المادة. ومنذ ذلك اليوم أخذت علاقتي بهذه الأداة تتطور بالممارسة، يومًا بعد يوم.

ومع ازدياد تجربتي بها، ازداد اقتناعي بأن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يعفينا من التفكير، بل أن يدفعنا إلى مزيد منه. فهو يستطيع أن يقدم المعلومة، ويقترح ويقارن ويلخص، لكنه لا يحمل عنا مسؤولية التحقق والاختيار والحكم. وإذا كنا قد تعلمنا مع وسائل التواصل ألا نصدق كل ما نقرأ، فعلينا مع الذكاء الاصطناعي أن نتعلم أيضًا ألا نسلّم بكل ما يجيب.

وهنا أصل إلى ما أراه جوهر تجربتي مع العالم الرقمي كله: كلما ازدادت قدرة الأداة، ازدادت مسؤولية الإنسان الذي يستخدمها.

لقد أصبح أمام الإنسان اليوم من فرص التعلم الذاتي ما لم يكن متاحًا لأجيال سابقة: كتاب ورقي يحتفظ بمكانته، وكتاب صوتي يرافقه في الطريق، ومحاضرات ومكتبات ومنصات ومعارف في هاتفه، ووسائل تواصل تقرب إليه أصحاب العلم والفكر، وذكاء اصطناعي يستطيع أن يحاوره في أي وقت. ولكن امتلاك هذه الأدوات لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة. الأدوات تفتح الباب، أما الدخول فمن مسؤولية الإنسان.

وربما كان هذا أهم ما تعلمته من تجربتي: أن العمر البيولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى عمر معرفي. ليس مطلوبًا من الإنسان كلما ظهر جديد أن يرفض ما سبقه، ولا أن يهجر الكتاب من أجل الشاشة، أو أن يسلّم عقله للآلة حتى يقال إنه يواكب عصره. المطلوب، كما أراه، أن يحمل معه أفضل ما تعلمه من الأمس، وأن يظل مستعدًا لتعلم أدوات اليوم.

لقد حرصت أن أكون ابن هذا العصر، لا لأنني أريد أن أبدو أصغر من عمري، وإنما لأنني لا أريد أن يكون العمر عذرًا للتوقف عن التعلم. وما دامت المعرفة تتجدد، فإن الإنسان يستطيع أن يتجدد معها.

والعالم الرقمي، في تجربتي، لم يكن خيرًا كله ولا شرًا كله. قرّب وأبعد، علّم وشتّت، حفظ الصورة وشكّك فيها، منحنا الوقت أحيانًا وسرقه منا أحيانًا أخرى. لكنه وضع بين أيدينا من أدوات المعرفة ما لم يتح لأجيال سبقتنا، وبقي علينا أن نحسن الاختيار.

فأن تكون ابن عصرك لا يعني أن تسلّم نفسك له، بل أن تأخذ من جديده ما يزيدك معرفة، ومن خبرة عمرك ما يعينك على حسن الاختيار؛ وأن تظل أنت سيد الأداة، لا أن تصبح الأداة سيدة عليك.

ويبقى سؤال آخر أثارته في نفسي هذه التجربة: أين تقف لغتنا العربية في هذا العالم الرقمي المتسارع؟ لقد لفتني، من خلال تعاملي معه، ما تتمتع به العربية من حضور وقدرة على التعامل مع أدواته الجديدة، وربما كان السؤال الأهم: هل أحسنّا نحن العرب استثمار هذه المكانة وتعزيزها؟ ذلك حديث يستحق مقالًا آخر.

شارك المقالة



اقرأ أيضاً