تُعد زيارة غبطة البطريرك بطرس بشارة الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، إلى دولة قطر حدثًا بارزًا في مسار العلاقات الدينية والثقافية، لأنها مثّلت نموذجًا عمليًا لما تتبناه قطر من انفتاحٍ وحوارٍ حضاري وإنساني بين الأديان والثقافات.
وقد تشرّف الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري بتكليفه بمتابعة هذه الزيارة والاهتمام بإنجاحها، وهو ما أتاح له أن يشهد عن قرب واحدةً من اللحظات التي تجتمع فيها الروح الدينية بالروح الثقافية، في مشهدٍ قطريٍّ يعبّر عن التسامح والانفتاح.
الهدف من الزيارة
كان الهدف الرئيسي للزيارة وضع حجر الأساس لكنيسة مارونية تحمل اسم القديس مار شربل، على قطعة أرض منحتها دولة قطر للطائفة المارونية الكريمة، في خطوةٍ تؤكد احترام الدولة للتنوع الديني وحرصها على تمكين جميع الجاليات من ممارسة شعائرها بحريةٍ وكرامةٍ في إطار القيم الإنسانية الجامعة.
لقد حرصت قطر على أن تكون الزيارة أكثر من مجرد احتفال ديني، فحوّلتها إلى فرصةٍ للتعارف الحضاري والثقافي، تنطلق من الإيمان بأن العيش المشترك لا يتحقق بالشعارات، بل بالممارسة الفعلية للانفتاح والاحترام المتبادل.

جولة حضارية تعبّر عن روح قطر
ضمن برنامج الزيارة، تم تنظيم جولة مميزة للتعرّف على المعالم الحضارية والثقافية في قطر، وكان أبرز محطاتها:
متحف الفن الإسلامي
في متحف الفن الإسلامي لمس البطريرك ومعه الوفد المرافق روح الأصالة والانفتاح التي تميّز الثقافة القطرية، حيث يجسّد المتحف حفاظ قطر على التراث الإسلامي العريق وفي الوقت نفسه تقديرها للفنون كجسر بين الثقافات.
إنه ليس مجرد متحفٍ للآثار، بل حوارٌ بصريٌّ وإنسانيٌّ بين حضاراتٍ متعاقبة تركت أثرها في الوجدان الإنساني.
مكتبة قطر الوطنية
أما زيارة مكتبة قطر الوطنية فكانت تعبيرًا عن الوجه المعرفي للدوحة، فهي صرحٌ ثقافيٌّ متكامل يجسّد رؤية الدولة في بناء مجتمعٍ قائمٍ على المعرفة والانفتاح.
وقد أبدى البطريرك إعجابه الكبير بتصميم المكتبة الفريد، وبما تحويه من مقتنياتٍ ومصادر تُعبّر عن عالمٍ مفتوحٍ على الحوار والفكر والتسامح.

الدلالة الحضارية للزيارة
تجسّد هذه الزيارة الوجه المشرق لقطر كبلدٍ يحتضن التعددية ويحترم الاختلاف، وتؤكد أن القيم الإنسانية المشتركة يمكن أن تكون أساسًا للتعاون بين الأديان والثقافات.
كما أبرزت أن الانفتاح الثقافي والديني ليس تنازلاً عن الهوية، بل هو تعبيرٌ عنها في أنبل صورها.
لقد جاءت هذه المناسبة لتبرهن على أن الدبلوماسية الثقافية القطرية لا تقتصر على المؤتمرات والمعارض، بل تمتد إلى بناء الجسور الإنسانية بين المؤمنين بقيم الخير والجمال والسلام.
حوار إنساني وثقافي
يذكر الدكتور الكواري أنه أُتيح له خلال الزيارة التحاور مع البطريرك الراعي في قضايا متعددة تتعلق بالثقافة، واللغة، والدور الروحي للأديان في تحقيق السلم الاجتماعي.
وقد وجد في غبطته شخصيةً فريدةً تجمع بين التواضع والعمق الثقافي، وتمتاز بثراءٍ لغويٍّ عربيٍّ أصيلٍ وروحٍ مرحةٍ منفتحة على العالم.
