.st0{fill:#FFFFFF;}

جزيرة غوري: بيت العبيد ورحلة إلى ذاكرة الألم الإنساني في السنغال 

تعتبر زيارة جزيرة غوري بيت العبيد من أهم المحطات التي قد يمر بها أي زائر للعاصمة السنغالية دكار. بدأت قصتي حين اقترح عليّ وزير الثقافة السنغالي أن أذهب في زيارة جزيرة جوري بيت العبيد، وبالفعل قمت بتلبية الدعوة. هذه الجزيرة التاريخية لا تبعد عن شواطئ دكار أكثر من مسافة 10 دقائق بالعبارة، لكنها تنقلك قروناً إلى الوراء، إلى حقبة من أعنف حقب التاريخ البشري.

قصة “غوري”: مقر تجارة البشر

خلال زيارة جزيرة غوري بيت العبيد، تكتشف قصة عجيبة ومأساوية؛ فقد توالى على احتلال هذه الجزيرة وتحويلها إلى مستودع للبشر كل من البرتغاليين والهولنديين. كانت “جوري” المقر الرئيسي لنقل العبيد من غرب إفريقيا إلى أوروبا وأمريكا، حيث كانت تُسلب حرية الآلاف وتُدمر حياتهم خلف تلك الجدران الباردة.

في قلب الجزيرة، يتم تجميع البشر وتقسيمهم في غرف ضيقة. وما يثير الحزن أثناء زيارة جزيرة جوري بيت العبيد هو سماع تفاصيل تحضيرهم للسفر الطويل؛ حيث كان يتم إطعام الضعيف قسراً وتخفيف وزن السمين، ليس حرصاً عليهم، بل للحصول على أفضل الأسعار في “سوق النخاسة” العالمي آنذاك.

أرقام مرعبة من تاريخ القارة المظلومة

يؤكد المؤرخون الذين توقفتُ عند دراساتهم خلال زيارة جزيرة غوري بيت العبيد، أن عدد الذين رُحلوا قسراً إلى أمريكا يزيد على ستين مليون إنسان. هذا الرقم الضخم لا يشمل الذين ماتوا في “رحلات العذاب” وأُلقي بجثثهم في عرض البحر، ولا أولئك الذين قضوا نحبهم داخل الجزيرة نتيجة التعذيب الوحشي وظروف الحجز غير الآدمية.

مشاهير في محراب المأساة

لقد أصبحت زيارة جزيرة غوري بيت العبيد واجباً أخلاقياً لكبار قادة العالم؛ فقد زارها أشهر الشخصيات مثل مانديلا، وكلينتون، وأردوغان. وإذا زرتها أنت أيضاً، كما فعلتُ أنا، سيتملكك بلا شك شعور بالألم الشديد والأسى للمأساة الإنسانية الكبرى التي عاشتها هذه القارة المظلومة لقرون طويلة.

إن زيارة جزيرة غوري بيت العبيد ليست مجرد رحلة سياحية، بل هي مواجهة مع الضمير الإنساني. لقد عدتُ من تلك الجزيرة وأنا أحمل تقديراً أكبر لقيمة الحرية، وذكراً لا يغيب لأولئك الذين عانوا في صمت. ستظل “جوري” دائماً شاهدة على أن الظلم مهما طال، فإن التاريخ لا ينسى.

شارك القصة

من مؤلفات الدكتور حمد الكواري

هذه القصة من كتاب «مسافر زادُه الجمال»

قصص وشهادات عن شخصيات وقادة عرفهم الدكتور حمد، ومدن عاش فيها وأحبّها، في جزأين يجمعان أكثر من خمسين حكاية.

قصص أخرى من الكتاب

Insert Content Template or Symbol