يناير 13

سقطرى في مجلس الثلاثاء : من السياسة إلى صفحات الرواية

تعتبر جزيرة سقطرى أيقونة ساحرة في قلب اليمن السعيد، وهي البقعة التي لطالما تغنّى بطبيعتها الشعراء، وأُسر بسحرها الأدباء، وأبدع المصوّرون في توثيق فرادتها التي لا تتكرر. حين تتأملها، تشعر وكأنها جزيرة خرجت للتو من أسطورةٍ قديمة، حيث تتجاور فيها العجائب النباتية النادرة مع صخب البحر وعنفوان الريح وعبق ذاكرة المكان.

سقطرى بين الجغرافيا والجدل السياسي

في هذه الأيام، عادت جزيرة سقطرى لتتصدر واجهة المشهد العالمي، لكنها لم تعد تُذكر كفردوسٍ طبيعي فحسب، بل أصبحت مساحة تتقاطع عندها تعقيدات السياسة والجغرافيا. اليوم، تتجه إليها الأنظار من كل حدب وصوب، ويشتد حولها الجدل، مما يضاعف من قلقنا على مصير هذا الكنز الإنساني والطبيعي الفريد الذي يجب أن يبقى بعيداً عن الصراعات.

لقد باتت حماية هذه الجزيرة ضرورة قصوى، ليس فقط لليمنيين، بل للعالم أجمع، فهي إرث بيئي لا يعوض.

مفاجأة مجلس الثلاثاء: سقطرى بعيون فرنسية

وكم كانت مفاجأة سارة لي وللحضور حين شهد “مجلس الثلاثاء” ليلة أمس زيارةً لافتة ومُعبّرة؛ إذ استضفنا الروائية الفرنسية فابيان أربان، ضيفة هيئة المتاحف. وقد أتحفتنا فابيان بهدية ثمينة، وهي روايتها المكتوبة بالفرنسية والمترجمة إلى العربية تحت عنوان: “تحت قبة سقطرى“.

هذا الكتاب لم يتناول جزيرة سقطرى بوصفها مشهداً طبيعياً جامداً، بل جعل منها فضاءً سردياً نابضاً بالحياة، تتجاور فيه الطبيعة مع الإنسان والذاكرة، حتى تحوّل المكان في صفحاتها إلى بطلٍ حقيقي من أبطال الحكاية، يروي قصته الخاصة للعالم.

من ضجيج الأحداث إلى هدوء الأدب

باعتبار أن من روّاد مجلسي إخوة من اليمن الجميل، ممن يعرفون جزيرة سقطرى حق المعرفة ويعشقونها، فقد كانت الزيارة فرصةً لا تُعوض لتعريف الحاضرين بهذه الجزيرة الساحرة. لقد حاولنا استعادة صورتها كما ينبغي أن تُرى: إرثاً إنسانياً قبل أن تكون موقعاً جغرافياً، وملهمةً للأدب قبل أن تكون مادةً دسمة للسياسة.

تحوّل الحديث في المجلس، بسلاسة وعمق، من القلق حول عودة سقطرى المختطفة إلى حضن الوطن، إلى “سقطرى الرواية”. انتقلنا من ضجيج الأحداث اليومية إلى هدوء الكتابة، ومن صراع المصالح الضيقة إلى جمال الحكاية الإنسانية الكبرى.

هكذا، وتحت قبة المجلس، التقت جزيرة سقطرى الواقع بسقطرى الأدب، والسياسة بالثقافة، والحاضر الملتبس بذاكرة المكان الفاتنة. كانت زيارة الكاتبة فابيان أربان تذكيراً لنا جميعاً بأن للأمكنة روحاً لا يمكن أن تختصرها العناوين الإخبارية، وأن حماية هذا الجمال الرباني تبدأ من معرفته حق المعرفة، ومن رواية قصته كما هي: إنساناً وطبيعةً وهويةً لا تقبل التجزئة.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: مجلس الثلاثاء



اقرأ أيضاً