سميح القاسم في الدوحة: زيارة عربية فارقة
كانت لسميح القاسم في الدوحة قصةٌ لا ينساها. ظل يذكرها ويشيد بها حتى رحيله، لأن الدوحة كانت أول مدينة عربية يطأ أرضها بعد فلسطين، في وقت كان فيه التواصل العربي مع أبناء الداخل الفلسطيني محدودًا ومحاطًا بالعقبات. وهكذا أصبحت الدوحة بالنسبة إليه نافذة عربية حقيقية، ومتنفسًا ثقافيًا طالما انتظره.
خلفية الزيارة ودور الثقافة القطرية
بدأت الحكاية حين اقترح سفير فلسطين ياسين الشريف دعوة الشاعر سميح القاسم للمشاركة في فعالية ثقافية. لم يكن الأمر سهلاً بسبب قيود السفر المفروضة على فلسطينيي الداخل، لكن الرغبة في فتح باب التواصل العربي كانت أقوى من كل الصعوبات. جاءت الدعوة ليكون ضيفًا ومحاضرًا في نادي الجسرة الثقافي خلال نوفمبر 1994، وهو ما شكّل أول حضور له خارج فلسطين منذ عقود.
اللقاء الأول… ومرافعة الأرض المحتلة
في اللقاء الأول بين الكاتب وسميح القاسم، قدّم الشاعر مرافعة مؤثرة عن الظلم الواقع على عرب الأرض المحتلة، وتحدّث بصوت من يحمل ذاكرة المكان وأوجاعه. كان يؤمن بأن الفلسطينيين بحاجة إلى الجسور أكثر من الشعارات، وأن الانفتاح على العالم العربي ضرورة ثقافية وإنسانية. وبعد نقاش طويل تمّت الموافقة الرسمية على حضوره، رغم حساسية القرار آنذاك.
أيام ثقافية بفلسطينيو الداخل
بعد أشهر قليلة، أُقيمت في الدوحة أيام ثقافية لعرب فلسطين، وكان سميح القاسم في مقدّمة المشاركين. وقد شكّل ذلك حدثًا تاريخيًا لهم، إذ رأوا لأول مرة أرضًا عربية تستقبلهم بكل احترام واحتفاء. امتلأت الوجوه بالسعادة، وبقي القاسم ممتنًا لقطر قيادةً وشعبًا على هذه اللفتة الثقافية التي كسرت العزلة وأسست لمرحلة جديدة من الحضور الفلسطيني عربيًا.
أثر الزيارة وخلود الذكرى
استمرت علاقة الشاعر بالدوحة لسنوات لاحقة، وكان يذكر تجربته فيها بكل حب، معتبرًا أنها محطة إنسانية لا تُنسى، وأنها شكّلت في حياته منعطفًا ثقافيًا عميقًا. وظلّ يردد أثرها حتى آخر أيامه، قبل أن يغادر الدنيا تاركًا إرثًا شعريًا خالدًا.
2014-09-01
