منذ لحظة وصولي إلى مدينة نيويورك الصاخبة في عام 1984، كانت قضية صناعة القرار في مجلس الأمن تشغل حيزاً كبيراً من تفكيري وتطلعاتي المهنية. لم تكن إقامتي هناك مجرد محطة دبلوماسية، بل وضعت نيل درجة الدكتوراه كأحد أهدافي الرئيسية التي لا تنازل عنها. بدأت رحلة البحث عن الصرح الأكاديمي المناسب، ووقع اختياري على “جامعة ولاية نيويورك” (فرع ستوني بروك)، رغم أنها كانت تبعد عن مانهاتن أكثر من أربع ساعات بالسيارة، مما تطلب مني صبراً وجلداً استثنائيين.
الطريق إلى ستوني بروك: تحدي المسافة والعلم
كان الالتزام الأكاديمي يستلزم مني الذهاب إلى الجامعة يومين في الأسبوع، وهي رحلة طويلة كنت أستثمرها في التأمل والقراءة. بعد استكمال الجانب النظري المكثف والمواد المطلوبة، وصلت إلى المرحلة الأهم وهي إعداد الأطروحة.
في تلك المرحلة، حظيت بإشراف الدكتور “شنايدر”، عميد كلية العلوم السياسية آنذاك، والذي كان له دور كبير في توجيه مساري البحثي. وبعد مناقشات مستفيضة، استقر رأيي على اختيار موضوع يمس صلب عملي الدبلوماسي ويهدف لفهم آليات صناعة القرار في مجلس الأمن، متخذاً من “الحرب الإيرانية العراقية” حالة دراسية معمقة.

كتاب “جدل المعارك والتسويات”: من البحث إلى المرجع
استغرق مني البحث والتقصي أكثر من ثلاث سنوات كاملة من العمل الدؤوب. لم يكن الهدف مجرد نيل الشهادة، بل تقديم إضافة حقيقية للمكتبة السياسية الدولية حول كيفية صناعة القرار في مجلس الأمن في أوقات الأزمات الكبرى.
هذا الجهد الأكاديمي تكلل لاحقاً بصدور كتابي بعنوان “جدل المعارك والتسويات: الحرب الخليجية الأولى ومجلس الأمن”. واليوم، أشعر بالفخر لأن هذا الكتاب أصبح مرجعاً معتمداً في دراسات النزاعات الدولية المسلحة، حيث قدمت فيه تحليلاً شاملاً لمفهوم صناعة القرار في مجلس الأمن، مسلطاً الضوء على كواليس الأمم المتحدة.
فلسفة المشاورات والنظام الدولي الجديد
تضمن الكتاب فصلاً فريداً من نوعه ركزت فيه على “المشاورات” وأهميتها الحاسمة في الوصول إلى حلول للمشاكل المستعصية. فالعمل داخل أروقة الأمم المتحدة يعتمد بشكل أساسي على ما يدور خلف الأبواب المغلقة من تفاهمات تسبق صناعة القرار في مجلس الأمن بشكل رسمي.
كما اختتمت الدراسة ببحث موسع عن ملامح “النظام الدولي الجديد” في تلك المرحلة الانتقالية من تاريخ العالم. إن هذه الرحلة العلمية لم تمنحني درجة الدكتوراه فحسب، بل منحتني فهماً أعمق للقوى المحركة للسياسة الدولية، وكيف يمكن للحوار والمشاورات أن تغير مجرى الأحداث.

