لقد عشتُ سنواتٍ من عمري ممثلًا لبلدي في الأمم المتحدة، أرى عن قربٍ كيف تتشابك السياسة بالقانون، وكيف تشكّل القيم الدولية والأعراف شبكة الأمان التي تحمي العالم من الفوضى. كنتُ أؤمن — وما زلت — أنّ احترام هذه القواعد ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل هو صمّام أمان لاستقرار العالم وأمنه.
صحيح أنّ التاريخ شهد اختراقات لهذه القواعد بين الحين والآخر، لكن بقيت هناك خطوط حمراء يعرف الجميع أنّ تخطّيها يفتح أبوابًا من الخراب. غير أنّ الاعتداء الإجرامي الأخير على بلدي كان صادمًا إلى حدّ أنّني، وأنا أراجع مبادئ النظام الدولي التي عشتُ أتغنى بها، لم أجد مبدأ واحدًا إلا وقد داس عليه المعتدي.
لقد تمّ ضرب سيادة الدول، والاستهانة بكرامة الإنسان، واغتيال فكرة التسوية السلمية من أصلها، وانتهاك حرمة المبعوثين، وتجاهل حماية المدنيين، والاستهتار بالقيم الإنسانية والأعراف الدبلوماسية العريقة التي تعود إلى آلاف السنين. كلّ ذلك جرى في لحظة واحدة، أمام أعين العالم.
إنّ ما حدث ليس مجرّد اعتداء على قطر فحسب، بل هو اعتداء على معنى القانون الدولي ذاته، وعلى الأمل في أن يبقى هناك شيء اسمه «قواعد مشتركة» تضبط سلوك الدول. وهو مأزق عالمي يختبر ضمير الإنسانية، ويكشف إلى أي مدى يمكن أن ينهار ما بنته البشرية بعد حربين عالميتين.
لكنّنا — في قطر — لم نصل إلى هذه المكانة عبثًا. لقد فرضنا حضورنا بعملنا، وبناء علاقاتنا، وإيماننا بالسلام والعدل والوساطة والحوار وها نحن اليوم نرى ثمار هذا العمل في تضامن أشقائنا العرب والمسلمين وأصدقائنا في كل مكان، والاحترام الذي تحظى به قيادتنا ودبلوماسيتنا.
لذلك، فإنّنا نتطلّع إلى أن تتحوّل هذه المكانة إلى موقف صارم وحازم تجاه هذا الاعتداء، وأن يقف العالم معنا — ليس من أجل قطر فقط، بل من أجل أن تبقى القيم قائمة، وأن تظلّ القواعد الدولية التي تنظّم العلاقات بين الدول حيّة فاعلة.
إنّ دفاع العالم عن المبادئ اليوم هو دفاع عن نفسه غدًا. وصمت المجتمع الدولي عن هذا الاعتداء يهدّد بانهيار ما تبقّى من هذه القواعد.
في هذه اللحظات التاريخية نتوجّه بتحية إجلال وفخر إلى قيادتنا الرشيدة التي وقفت بصلابة، وإلى دبلوماسيتنا الفاعلة التي تبني الجسور وتدافع عن الحقوق، وإلى شعبنا القطري العظيم الذي يلتفّ اليوم يدًا واحدة خلف قيادته، في صورة تجسّد الوحدة الوطنية والصمود والإرادة الصلبة. هذه الروح هي التي تجعل قطر أقوى، وتجعلها كما عهدها العالم: ثابتة على الحق، متمسكة بالمبادئ، حاملة لرسالة السلام، ورمزًا للعزة والصمود في وجه العدوان وبلد المضيوم.
د.حمد الكواري
الدوحة 12- سبتمبر 2025
