أغسطس 25

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن: رؤية استراتيجية واستحضار للذاكرة التاريخية

لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ، فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين تحدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمان والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابراً أو متأخراً؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ، ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلماً وقاضياً. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضراً في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء، وزبيد إلى حضرموت وعدن.

وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد. وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليماني حاضراً بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب وأن أعرف كثيراً من رجاله.

وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيراً للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحـدة.

وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقفها وانتماءاتها: عرفت محسن العيني الذي كان وزيراً للإعلام، وجار الله عمر الذي كان وزيراً للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلاً سف يراً في واشنطن والولايات المتحدة قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء.

ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن فتعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى الزيارات قال إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. وسرت الأيام وتغلبت الأحوال وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئاً من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفاً عما تصورناه.

ولم تكن معرفتي باليمن محصورة على السياسة ورجالها، عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح. ودعوتُهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين. لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمانيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة لزي البشت العقال العربي وألبسني العمامة والخنجر اليمانيين، صورة صغيرة لكنها كاشفة.

أما اليمن الذي رأيته فله حديث آخر.
رأيت في صنعاء فناً معمارياً لا أعرف له شبيهاً؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس، ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقاً منعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمانيات يتسلقن المدرجات يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى إب، إقليم في قمة جبل تحيط به مناطق أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والمهابة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان.

وأقول ذلك وقد جُلت العالم شرقاً وغرباً، في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعاً في مكان واحد: شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وثروات عمراني نادرة. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟

لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلاً، حتى كاد شبيبهما يحجب حقيقته وطبيعته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف الأزمات.

لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان، فالجغرافيا منحت موقعاً لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والمالحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه.

ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده، من يترك جنوب الجزيرة العربية اضطراباً لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها.

لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ورداً على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى، وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتُعيد للإنسان يمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها.

كما أن اتساع الخلافات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين، أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الإرتهان والارتباط بالأجنبي أيّاً كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق خلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين به، ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته لتضمى اهتمامه بك. وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليمن المطلوب أن يختلف اليمنيون، أجل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبواباً تعبر منها مصالح الآخرين؛ فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتسمي اليمن معه.

وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية، فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئاً ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها؛ اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقات، كسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. الخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية.

ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالاً باليمن جغرافياً وتاريخياً، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعداً استراتيجياً أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعاً طويلاً الأمد يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج التدريجي في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية.

وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتلعب في جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والتنمية، فمن حقها أيضاً أن تجد من اليمنيين تقديراً لذلك، وأن تقابل اليد الممدودة بيد ممدودة والثقة بالثقة.
لقد آن الأوان أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة.

ولمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسبكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو هيئته يوماً ليصبح جزءاً كاملاً من هذه المنظومة؟ عندنا لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيراً عن جغرافية المنطقة ووحـدة مصالحها.

وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءاً من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسماً أصدق تعبيراً عن حقيقتنا الجديدة؟

هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلماً يتجاهل صعوبات الواقع، إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن كسب كبير إذا احتُضن واستقر، وأصبح جزءاً فاعلاً من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترِك فريسة للانقسام والفقر والتدخل الخارجي.

لقد طلبنا طويلاً: نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن، وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟

فاليمن لم يكن يوماً هامشاً في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشاً في مستقبلها.

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: ثقافة, كتابات



اقرأ أيضاً