بعض اللقاءات لا تمضي كغيرها، وللنفوس مواعيد لا تعرفها الساعات، والحكمة قد تأتي من مواضع الألم، كما يأتي النور من موضع الجرح.
وكان لقائي بالسيد محمد مو جودت من هذا الصنف النادر؛ لقاء اجتمع فيه عمق التجربة، وهدوء الإيمان، ودفء الإنسانية.
كنت أتابعه طويلًا عبر مقابلاته بالعربية والإنجليزية، لكن كتابه خوارزمية السعادة لم يفتح لي بابه إلا يوم غاب ابني تميم – رحمه الله –. فجاء الحزن ثقيلاً، وجاءت الكلمات التي تعيد ترتيب الروح ضرورة لا اختيارًا.

وحين قرأت الكتاب، خرجتُ بقناعة صافية: أن الألم بوابة، وأن الحزن — إذا سُلّم لله — يتحوّل إلى طاقة خيرٍ وعملٍ ورسالة.
وفي لقائنا بالأمس، بدأ الحديث من هذا الجرح المشترك… جرح الآباء إذا فقدوا الأبناء، حيث تنطق العيون بما تعجز عنه الكلمات.
ثم مضى إلى محاضرته، فإذا بابنه علي – رحمه الله – حاضر في كل فكرة؛ يمشي بين الجمل، ويُظِلّ المعنى، وكأنّ حديثه لا يمتدّ عن علي وحده، بل يشمل تميمًا أيضًا، فالقلب يعرف القلب.
وأدهشني في الرجل ذلك البعد الروحي الذي لا يتكلّفُه: يستدعي الآية القرآنية حين يضيق المعنى، ويستنطق الحكمة حين يشتدّ الألم، ويجعل القرآن ظلًا لكلامه، ونورًا لرؤيته.

رجلٌ من عالم التقنية، لكن قلبه من مدرسة الإيمان، وعقله من معدن الحكمة. وجدته بسيطًا في حديثه، عميقًا في صدقه، دافئًا في قربه من القلب.
أُعجب بمكتبة قطر الوطنية وما تضمه من كنوز ومعارف، ووعد — صادقًا — أن يعود قريبًا ليُلقي محاضرة باللغة العربية للشباب العربي، ليزرع فيهم من تجربته ما يفتح العقول ويهذّب الأرواح.
وخرجتُ من لقائه بيقينٍ أعمق: أن الفقد امتحان، وأن الصبر عبادة، وأن الوفاء للأبناء — رحمةً بهم — يكون بمزيدٍ من العمل، وبخطواتٍ نمشيها على نور، مهداة إلى أرواحهم الطيبة في الدنيا… وفي الآخرة.
رحم الله عليًا، ورحم الله تميمًا، وجعل ما نقدّمه من خيرٍ صدقةً جاريةً لهم، ونورًا لا ينقطع.
