يا ابن أخي الحبيب، كم تشابهت أحاسيسنا، وكم تجمعت في قلوبنا ذات الآلام والذكريات! لقد عشتُ، كما تعلم، سفيرًا لوطني في أصقاع الأرض، أجوب البلدان، أحمل هموم أمتي وقضاياها على كتفيّ لاثنتين وعشرين سنة. كنتُ غريبًا في ديار الآخرين، لا أعود إلى أرض الوطن إلا زائرًا عابرًا، تحيطني ذكريات عائلتي وهمسات أحبتي، لكن الواجب كان أقوى من نداء القلب.
وعندما حان وقت العودة، عدتُ وزيرًا، لكن سعادتي لم تكتمل بالعودة لحضن الوطن. وجدتُ والدي رحمه الله على فراش المرض، جسده يخور تحت وطأة الزمن، ولم تمضِ إلا أشهر معدودة حتى ودّعناه إلى دار البقاء. وكذلك كان الحال مع والدتي، تلك الروح الطاهرة التي أفنت عمرها في انتظار عودة ابنها. غادرتنا، تاركةً في قلبي حبا وشوقًا لا ينتهي.
هذه هي تضحية الدبلوماسي، يا ابن أخي. إنها حياة نكرسها لخدمة الوطن، نضحي فيها بلحظات القرب من الأحبة، نترك خلفنا أمهاتٍ وآباءً ينتظرون عودتنا، وقلوبًا تتلهف لرؤيتنا. نعيش بين وجهي عملة الحياة: وجه الواجب الذي يدعونا للابتعاد، ووجه الحب الذي يصرخ فينا لنعود. لا يمكن لأحدهما أن يوجد دون الآخر، فهكذا هي الحياة، مزيجٌ من الألم والفخر، من الفقدان والعطاء.
والآن، كآباء، ندرك عمق معاناة أمهاتنا وآبائنا. نشعر بثقل الانتظار، ونتذوق مرارة البعد عن أبنائنا. لكننا نؤمن أن هذه التضحيات ليست هباءً، بل هي بذور زرعناها في سبيل وطنٍ أعزّ .
حم الله آباءنا وأمهاتنا، تلك الأرواح النقية التي صبرت وتحملت، وعوّضهم الله في جنات النعيم عن كل لحظة شوقٍ وانتظار. ونسأله سبحانه أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا ألم، ولا شيء سوى السعادة الأبدية إن شاء الله
