يوليو 15

ما بين ضوء الألعاب النارية… وظلال التاريخ

عشتُ في فرنسا سنواتٍ، تعلمتُ لغتها، وأحببت أدبها وفنونها، وقرأتُ تاريخها بتمعن. فرنسا التي تبهر العالم بجمالها وأناقتها ونتاجها الثقافي، هي ذاتها فرنسا التي مارست استعمارًا قاسيًا، واستغلت ثروات الشعوب المادية والتراثية لبناء مجدها الحديث.

أمس، وفي قلب باريس، كنتُ أتابع مع أحفادي الأعزاء عروض 14 يوليو، احتفالًا بالعيد الوطني الفرنسي، فانبهروا بالأضواء والألعاب النارية، ثم صدحت مكبرات الصوت بـ”لامارسييز” – النشيد الوطني الفرنسي.

من احتفالات باريس بالألعاب النارية

وهنا، بتلقائية وعفوية جميلة، سمعنا الأحفاد الصغار يرددون نشيدهم الذي تربّوا عليه: “قسماً بمن رفع السماء” نشيد قطر الوطني. تصرفوا كما اعتادوا، بعفوية فيها صدق الانتماء، وذكّرونا أن النشأة تغرس في النفس جذورًا لا تُقتلع.

سؤال بريء تلاه الموقف: “ما قصة هذا اليوم يا جدي؟ ولماذا تحتفل فرنسا؟”

سؤالهم أيقظ في داخلي تأملًا قديمًا… في هذا اليوم من عام 1789، اقتحم الفرنسيون سجن الباستيل، رمز الاستبداد، وانطلقت شرارة الثورة الفرنسية. ثورة بشّرت بمبادئ عظيمة: الحرية، والمساواة، والأخوّة.

من احتفالات باريس بالألعاب النارية

لكن المفارقة أن هذه الشعارات بقيت حبيسة الداخل الفرنسي، أما في الخارج، فاختنقت تحت أقدام الجيوش، وفي غابات وصحاري المستعمرات.

لقد بنت فرنسا الكثير من نهضتها على ظهور الشعوب الأخرى، من الجزائر إلى فيتنام، ومن غرب إفريقيا إلى الشام ومصر ،استنزفت خيراتهم، وسرقت كنوز تراثهم، وأرادت أن تُدخلهم “جنة الحضارة الفرنسية”… بينما كانت تحرمهم من خيراتهم.

من احتفالات باريس بالألعاب النارية

وهكذا، فإن بريق الثورة لم يكن خالصًا، فقد غطته ظلال التجربة الاستعمارية، التي ما زالت تداعياتها قائمة حتى اليوم.

كتب هذه الكلمات لأحفادي وجيلهم، ليعرفوا أن وراء كل احتفال تاريخًا، وأن خلف كل شعار، امتحانًا في الممارسة، وأن الواجب على من يحب الحقيقة والعدالة، أن يقرأ الماضي بوعي، لا بانبهار #14_يوليو #فرنسا #الثورة_الفرنسية #ذاكرة_التاريخ #قيم_العدالة #قطر

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: سفر, فرنسا



اقرأ أيضاً