أعرفُ الدكتور محمد جواد ظريف منذ أن كنا ندرس معاً الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة ولاية نيويورك، وكان كلٌّ منا آنذاك على رأس عمله، لكننا كنا نلتقي في فضاء أكاديمي واحد، ننظر إلى الموضوع ذاته من زاويتين مختلفتين تماماً. ثم تباعدت المسارات؛ اتجهتُ أنا أكثر نحو العمل الثقافي، بينما استمر هو في حقل السياسة والدبلوماسية، غير أن خيط التقدير بقي قائماً بيننا.
وقد تجلّى ذلك حين ترشّحتُ لليونسكو، إذ كان من الداعمين حتى اللحظة الأخيرة، من دون لقاء مباشر أو طلب مني، وإنما — كما فهمت — ثقةً منه في القدرة والخبرة. ثم التقيتُ به أخيراً في منتدى الدوحة، الذي انعقد قبل فترة قصيرة من اندلاع الحرب، فوجدتُ الانطباع نفسه الذي عرفته عنه منذ سنوات: ذكاء واضح، ومعرفة دقيقة بتشابكات السياسة الإيرانية، مقرونة بإدراك عميق للعالم بحكم تخصصه وتجربته الطويلة في الغرب.
وعندما قرأتُ مقالته الأخيرة، تبادر إلى ذهني سؤالان:
الأول: لماذا نُشرت في الخارج ولم تُنشر في إيران؟
الثاني: هل هي اجتهاد شخصي، أم رسالة منسّقة تمثّل نوعاً من “بالون اختبار” سياسي؟
فيما يتعلق بالسؤال الأول، بدا لي أن اختيار النشر في الخارج خطوة محسوبة، تهدف إلى ضمان الانتشار، و توجيه رسالة من الداخل إلى الخارج، عبر منصة تسمح بهامش أوسع من التعبير. فظريف يدرك جيداً أن المنصات الدولية تمنح الأفكار قدرة على الوصول إلى صناع القرار والرأي العام العالمي، في توقيت بالغ الحساسية.
أما السؤال الثاني، فهو أكثر تعقيداً. فالرجل من الخبرة بحيث يدرك المخاطر المترتبة على نشر أفكار حساسة في مرحلة حرجة دون تنسيق. خصوصاً أنه في بداية عهد الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان عُيّن نائباً للرئيس للشؤون الخارجية، ثم اضطر إلى الاستقالة تحت ضغط داخلي. لذلك يصعب تصور أنه قد يُقدم على طرح رسالة تحمل مضامين سياسية مهمة دون تقدير دقيق لردود الفعل داخل إيران.
من هنا أميل إلى أن المقالة — إن لم تكن منسّقة بالكامل — فهي على الأقل لا تبتعد كثيراً عن نقاشات تدور داخل دوائر القرار. فالأفكار التي طرحها لم تكن عابرة، بل تمحورت حول خفض التصعيد، والدعوة إلى الدبلوماسية، وأهمية بناء الثقة الإقليمية، والتحذير من تدويل الصراعات، وهي كلها خطوط تفكير تعكس مدرسة دبلوماسية ترى أن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بتفاهم أهلها.
وبالتالي فإن الرسالة تحمل عناوين مطروحة، غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل، حيث تتحدد جدية الرسائل بآليات تنفيذها لا بعناوينها.
أبريل 5
