مدريد… ذكريات سفير، وجامعات الأحفاد غدًا سأكون في مدريد، المدينة التي أعود إليها كل مرة بشوق، وكأنني أزور صديقًا قديمًا لا مدينةً أوروبية فحسب. عرفت مدريد عن قرب عندما كنت سفيرًا لدولة قطر في باريس بين عامي 1979 و1984، وسفيرًا غير مقيم لدى إسبانيا. وكانت زياراتي إليها متكررة، حتى وقعت في عشقها؛ لجمالها، وثقافة شعبها، وما لمسته فيها من حضورٍ واضح للإرث الأندلسي الذي جعلني أشعر بقربٍ خاص منها.
ومن الذكريات التي أعتز بها أنني اقترحت آنذاك افتتاح مكتب قطري في مدريد، ليكون نواةً لبعثة دبلوماسية، فتولى رئاسته الصديق عبدالله الذوادي، ولم تمضِ فترة طويلة حتى تحول ذلك المكتب إلى سفارة، في خطوة عكست تطور العلاقات بين البلدين.
ولعل من أسباب هذا التعلق أيضًا أن مدريد لم تكن مدينةً عادية في تاريخي، ولا في التاريخ نفسه. فهي مدينة أسسها الأمير الأموي محمد الأول في القرن التاسع الميلادي لتكون حصنًا يحمي طليطلة، إحدى أعظم حواضر الأندلس العلمية والثقافية. ومن الجميل أن تحمل عاصمة أوروبية كبرى في جذورها هذه الصفحة المشرقة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
واليوم، وبعد مرور عقود على تلك السنوات، أعود إلى مدريد لسببٍ آخر لا يقل قربًا إلى القلب؛ فقد درس ثلاثة من أحفادي في جامعاتها، وأشارك هذه المرة فرحة تخرج أحدهم، الشيخ جاسم بن علي آل ثاني، من جامعة IE، إحدى الجامعات الإسبانية المرموقة.
وهكذا تبقى مدريد بالنسبة لي مدينةً تجمع بين التاريخ والذكريات، وبين الدبلوماسية والعائلة، وتؤكد أن بعض المدن لا نزورها فحسب، بل تسكننا وترافقنا عبر مراحل العمر
