وصلتُ إلى مدينة نيويورك والأمم المتحدة في بداية شهر مايو من عام 1984، حاملاً معي تكليفاً غاليا لتمثيل بلدي قطر كمندوب في المنظمة الدولية. في تلك البدايات، فضلتُ أن أخوض غمار التجربة بمفردي أولاً، تاركاً عائلتي في الدوحة حتى تنتهي السنة الدراسية للأطفال، ليلتحقوا بي لاحقاً. لم أكن قد زرت نيويورك من قبل، لكنني أدركت منذ اللحظة الأولى أن هذه المدينة التي يلقبها أهلها بـ “التفاحة” (The Big Apple)، ليست سهلة الهضم كما قد يتخيل البعض.
نصيحة الأمير وقسوة البدايات
عندما وطأت قدماي أرض هذه المدينة الصاخبة، استعدتُ في ذاكرتي كلمات صاحب السمو الشيخ حمد، حينما قال لي ناصحاً: “لتبقَ في باريس، فنيويورك مدينة قاسية”. وبالفعل، لمستُ تلك القسوة في إيقاعها المتسارع وضخامتها التي قد تبتلع الغريب. ولكن، طالما كان هذا هو خياري المهني الذي ارتضيته، فلم يكن هناك أي مجال للتراجع؛ فالتحدي هو الذي يصنع الدبلوماسي الناجح في أروقة مدينة نيويورك والأمم المتحدة.
السكن في قلب مانهاتن: بين الفن والحداثة
بانتهاء العام الدراسي، وصلت “أم تميم” والأطفال، وبدأنا فصلاً جديداً من الاستقرار. حالفنا التوفيق في اختيار منزل رائع يقع في منطقة استراتيجية في مانهاتن؛ حيث يتوسط “الجادة الخامسة” (Fifth Avenue) المشهورة بمتاجرها الفاخرة وناطحات السحاب التي تعانق السماء، وبين “جادة ماديسون” (Madison Avenue) المعروفة بمعارضها الفنية الراقية. هذا الموقع جعلنا نعيش في قلب الحراك الثقافي والتجاري للمدينة، مما خفف من وطأة الغربة وبدأنا نستكشف جماليات مدينة نيويورك والأمم المتحدة من منظور عائلي وإنساني.

مصدر الصورة wikimedia.org
أبعاد نيويورك المتعددة: من السياسة إلى التعليم
تمتاز مدينة نيويورك والأمم المتحدة بأنها مدينة ذات أبعاد متعددة؛ فهي مركز تجاري عالمي، ومنصة سياسية لا تهدأ، وفضاء فني وديني واسع. وبصفتها مقراً للمنظمة الدولية، يظل لقاء “الجمعية العامة” في كل عام هو المناسبة الكبرى التي تتيح لنا التعرف على زعماء العالم ووزراء خارجيته عن قرب، مما يثري التجربة الدبلوماسية بشكل لا يقدر بثمان.
علاوة على ذلك، نيويورك هي مدينة الجامعات البارزة التي تغريك بمتابعة التحصيل العلمي، وهو إغراء لم أستطع مقاومته أبداً. إنها مدينة المتاحف العريقة والآثار والموسيقى، حيث تشعر أن كل شارع فيها يروي قصة فنية أو تاريخية مختلفة.
