يوليو 24

مقامات يرويها السروجي في سيرة حمد بن خليفة: أثرٌ خالد ونهضة وطن

تم نشر هذه المقامات كاملة في العربي الجديد  …..
قال السروجي: ما أستطاع أن يطوف في البلاد ورأيت من عجائب الزمان ما يملأ الأسماع والأبصار، حتى حسبت أن الدهر لم يعد يخفي علي سراً، ولا الأيام تفوت فريداً من مفاجآتها. غير أني لما وطئت أرض قطر بعد رحيل نسيمها الرقراق، أدركت أن للأوطان رجالاً لا تقاس أعمارهم بما عاشوا، وإنما بما أبقوا أثرهم فيها؛ فمن يسعى في جغرافيتها كبير في حضوره، تسمع أصله في أقصى الأرض كما تسمعه في أدناها، وترى أثره في الحاضر كما تراه في المكان، فتطلع إلى رجال غرس هذا الغراس حتى أثمر بعد رحيله، فيغدو البلاد تتحدث عنه بلسان حالها قبل مقالها!

وبينما أنا أطيل النظر في سيماء يحتفط فيها البصر بالعمران والماضي والتاريخ، إذ اقترب رجل؛ يقرأ على وجهه ملامح من عاشوا هذه الأيام لا من سمعوا عنها. أما ما بال هذا الوطن: أكل زاوية فيه تروي سيرة رجال، أفقال لائم بعض الرجال يتداعون التاريخ وفي الكتب، وبعضهم يشاركونها في الحجر والشجر والحي، فإذا حفروا ترك الأبطال وراءهم سيرة، وقال غيرهم: بل هم قلة، أثروا أفعالاً.

فدنا مني أحدهم وقال: تسأل عن صاحبنا؟ فقلت: نعم. قال: هو صاحب هذه الأمة القاطنة، صاحب هذه الرؤية… فكم من رؤية تحولت إلى الواقع؟ وكم من حلم غدا حقيقة على أيديهم؟ كان يرى المستقبل بعين ثاقبة، لا يراها غيره… كان يؤمن بأن قطر تستحق الأفضل، وأن قطر لا ينبغي أن تكون سياجاً للجهالة، بل منارة وملاذاً.

قالوا: ستكون هذه قطر، رؤية بدأت بفكرة، ثم تحولت إلى نهضة شاملة، في العلم والتعليم، والمجتمع والاقتصاد… وبدأت معالم دولة حديثة، ليس فيها أثر لجهالة، حتى صار ما كان حلم أضحى حقيقة، وكان رجل قطر يرى أن قطر لا ينبغي أن تكون مجرد نقطة على الخريطة… بل منارة لكل من يبتغي الحكمة والكرامة.

ثم قال: أتدري كيف بدأت المقامة؟ بدأت حين رفعنا الراية، وقلنا: قطر تستحق الأفضل. وكان ذاك في زمن… ورأينا قطراً تنهض، ورأينا قطر التي نعرفها اليوم تستضيف العالم. ورأينا العقول والخبرات تتجمع… ورأينا البلاد تتسع، والقدرات تنمو، حتى غدت قطر ملء السمع والبصر.

في هذه المقامة، يستعيد السروجي سيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا بوصفها سردًا لتاريخ قائد، بل رحلةً لاكتشاف أثر رجلٍ بقي حاضرًا في وطنه بعد رحيله. فمن خلال حوارٍ أدبي يجوب البحر والعمران والمجالس، تتجلى رؤيةٌ صنعت نهضة قطر، وحوّلت الثروة إلى مشروع دولة، والثقة إلى مكانة دولية، والحوار إلى نهج، والإنسان إلى محور التنمية. وتتوقف المقامة عند محطاتٍ بارزة من مسيرته، من بناء الاقتصاد، وتعزيز الحضور العالمي، ودور قطر في الوساطة وإعادة الإعمار، إلى بساطته الإنسانية، وثقته برجاله، وقراره التاريخي بتسليم الحكم طوعًا وهو في أوج عطائه. وتختتم بمشهدٍ إنساني مؤثر، يؤكد أن الكبار لا يرحلون ما دام أثرهم حيًا في الأوطان، وذكراهم باقية في القلوب. مقامةٌ في الوفاء، تروي كيف يبقى القادة العظام أحياءً بما يتركونه من أثر، لا بما يطول من أعمارهم

شارك المقالة



اقرأ أيضاً