أبريل 12

مكتبة قطر الوطنية: كائن حي ينبض بالمعرفة ورسالة سلام تتجاوز الجدران

ليستِ المكتبةُ جدرانًا تُرصُّ فيها الكتب، ولا فضاءً صامتًا يُزار ثم يُغادَر…

إنها كائنٌ حيّ، ينبضُ بالمعرفة، ويقيمُ في القلب قبل أن يُقام على الأرض. من يقترب منها مرةً، لا يعود كما كان؛ تتسلّل إليه، فيألفها، ثم يعشقها، حتى يغدو الحنين إليها عادةً لا فكاك منها.

فكيف إذا كانت مكتبة قطر الوطنية؟

ذلك الجمال الذي اتّسع صدره للعلم، واحتضن العقول، وبسط نوره في كل زاوية، حتى صار مكانًا لا يُزار، بل يُعاش.

لم أنظر يومًا إلى اختياري لرئاستها بوصفه وظيفة، بل تشريفًا عظيمًا حملته بكل ما فيه من امتنان… فأحببتها بصدق، وكأنها اختارتني قبل أن أختارها، وبادلتني ذلك الحب بمثله، في علاقةٍ لا تُقاس بالمهام ولا تُحدّ بالمسميات.

وبعد تجربةٍ طويلةٍ في مواقع المسؤولية، حملتُ فيها أرفع المناصب وزيرًا وسفيرًا، بقيت لهذه المكتبة خصوصيّةٌ لا تُشبه غيرها… مكانةٌ لا تُقارن، لأنها لم تكن موقعًا أؤديه، بل روحًا أعيشها، وقربًا أجد فيه ذاتي.

لم أكن أذهب إليها لأؤدي واجبًا، بل لألتقي بها… لأجلس في بهوها العام، أتأمل وجوه روّادها، وأصغي إلى صمتها الناطق، وأستنشق تلك الروح العالية التي تبعثها في كل من يدخلها. كانت تُهديني بهجةً لا تُشبهها بهجة، وتُعيد ترتيب الداخل في نفسي، كما تُرتّب الكتب على رفوفها.

ولعلّ الأجمل أن هذا الشعور لم يكن حكرًا عليّ… بل هو روحٌ تسري في كل من يعمل فيها، في جهازها الرائع الذي لا يؤدي عمله بقدر ما يعيش رسالته، بل يتجاوز ذلك إلى كل من عرفها، وكل من حالفه الحظ بزيارتها، فخرج منها وقد تركت في داخله أثرًا لا يُمحى. ومن ذاق هذا القرب، أدرك عمق الألم الذي سكننا حين ابتعدنا عنها قسرًا، وفهم ذلك القلق الذي لم يكن على جدرانٍ أو مقتنيات، بل على معنى عزيز، وعلى نبضٍ حيّ خشينا عليه من أن يُمسّ.

وحين جاءت الحرب، اشتدّ القلق…

لم يكن الخوفُ على مبنى، بل على ذاكرة، على نور، على هذا الجمال الذي أصبح جزءًا منا. كان إغلاقها قرارًا قاسيًا، كأننا نُبعد طفلًا عن حضن أمّه، أو نُغلق نافذةً كانت تُدخل الضوء إلى أرواحنا. كنّا نغيب عنها بأجسادنا، لكنها لم تغب عن قلوبنا لحظة، وكان القلق عليها يسكننا كما يسكن الحب.

واليوم… ونحن نعود إليها، نشعر وكأننا نُعاد إليها، لا العكس.

كطفلٍ عاد إلى أبويه بعد خوفٍ طويل، نخطو نحوها بشوقٍ ممتد، وبقلبٍ امتلأ امتنانًا لأن الحكاية لم تنكسر، ولأن الضوء ما زال في مكانه.

حمى الله الوطن، وحمى صروحه،

وأبقى مكتبة قطر الوطنية منارةً للحب والعلم،

ووطنًا صغيرًا داخل الوطن الكبير…

نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الدنيا، فنخرج منه أوسعَ روحًا، وأعمقَ إيمانًا بأن الثقافة… هي السلام

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: مكتبة قطر الوطنية



اقرأ أيضاً