فبراير 23

من الدوحة إلى سراييفو: لقاء الثقافات

في أجواء رمضانية عطرة، التقيتُ في مكتبي في مكتبة قطر الوطنية بضيفٍ كريم من ضيوف العلم والفكر، هو سماحة الأستاذ الدكتور نجدان غرابوس، مفتي البوسنة وعلَمٌ من أعلامها، وأكاديميٌّ جمع بين عمق الفقيه ورحابة المثقف. وليس هذا اللقاء الأول، فقد سبقته لقاءات ومناسبات وثّقت بيننا صلةَ الفكر وأخوّة الثقافة، وجعلت من كل لقاء جديد استئنافًا لحوار لم ينقطع.

وليس هذا اللقاء وليد المصادفة، بل هو ثمرةٌ طبيعية لعلاقات متجذّرة تربط دولة قطر بجمهورية البوسنة والهرسك؛ علاقات قامت على الاحترام المتبادل وتبادل المصالح، وتعمّقت بفعل التضامن الإنساني في أحلك الظروف وأصعبها. وما الروابط الثقافية بين بلدينا إلا امتدادٌ لهذا الوشيج الإنساني، وتعبيرٌ عن إرادة مشتركة في أن تسبق الكلمةُ السيفَ، وأن يُبنى الجسرُ قبل أن يُشيَّد الجدار.

الكتاب جسراً بين الثقافات

وكان للحديث شجونٌ وشؤون؛ إذ أبدى سماحته سروره بما لاقاه كتاب على قدر أهل العزم من تجاوب حار في الأوساط الثقافية البوسنية منذ صدور ترجمته إلى اللغتين البوسنية والسلافية، وهو ما يُعمّق إيماني بأن الكلمة الصادقة لا تعرف حدودًا، ولا تقف عند لغة دون أخرى.

وحين أطلعتُ سماحته على كتابي الآخر جسور لا أسوار: حوار الشمال والجنوب، ارتسمت على محيّاه ابتسامة شغف المعرفة، فوعد بقراءته ثم ترجمته، وهو وعدٌ من رجل يُوفي بما يع

الثقافة عمود العلاقات بين الأمم

وفي هذا السياق تتجلّى الحقيقة التي طالما آمنتُ بها: أن الثقافة ليست زينةً تُضاف إلى العلاقات بين الأمم، بل هي عمودها الفقري وروحها الحيّة؛ فالسياسة قد تتعثّر والمصالح قد تتبدّل، غير أن الكتاب الذي يُقرأ بلغة أخرى، والفكرة التي تعبر الحدود، هما ما يبقى ويترسّخ في وجدان الشعوب، ويصنع من الغريب صديقًا، ومن البعيد قريبًا.

وما أجمل أن تكون البوسنة والهرسك، بموقعها الفريد على مفترق الحضارات، مساحةَ تلاقٍ وتحاور بين الثقافتين الأوروبية والعربية الإسلامية. وإنني لأسعد أن يكون لكتابَيّ حضورٌ في تلك المساحة، ودورٌ في بناء جسور الفهم المتبادل وترسيخ ما يجمع لا ما يفرّق.

نحو حوار حضاري متجدد

وقد جدّد سماحته دعوته الكريمة لزيارة البوسنة، للتوقيع على الكتابين والالتقاء بنخبة مثقفيها ومفكّريها، فقبلتها بكل ترحاب وامتنان، وأنا أتطلع إلى تلك الزيارة بشوق حقيقي، راجيًا أن تكون فاتحةً لتعاون ثقافي متجدد، يُثري مسيرة الحوار بين الحضارات ويُكرّس دور الثقافة رسولًا للسلام بين الأمم.

شارك المقالة



اقرأ أيضاً