سبتمبر 18

من نيويورك إلى الدوحة… صداقة لم ولن تنقطع

في عالم الدبلوماسية، ذاك البحر الواسع من العلاقات والصداقات، بدأت أولى خطواتي وأنا في العشرينات من عمري، قائماً بالأعمال في لبنان ثم سفيرا في سوريا، ثم فرنسا، ثم نيويورك وأخيراً واشنطن. في كل محطة التقيت بسفراء كبار تركوا في حياتي بصمات لا تُنسى، وكنتُ بينهم كإبن، يراقب ويتعلم.

حين وصلتُ إلى نيويورك عام 1984 كنت في مقتبل العمر، والفارق بيني وبين أصغر سفير هناك لا يقل عن عشرين عاماً، ما قربني أكثر إلى الشباب من الدبلوماسيين، ومنهم سمو الأمير منصور بن خالد بن فرحان آل سعود الذي أصبح لاحقاً سفيراً بارزا، وأتى إلى الدوحة منذ أربع سنوات سفيرا لبلده الشقيقة المملكة العربية السعودية وهي مهمة جليلة لما للعلاقات بين البلدين الشقيقين من بعد استراتيجي.

غادرتُ نيويورك إلى واشنطن، 1990 ثم عدتُ إلى الدوحة وزيراً عام 1992، وانقطعت الصلة بالأمير منصور، لكن الدبلوماسية تعرف دائماً كيف تفاجئ أصحابها.

قبل 4 سنوات، وفي احتفال وطني لإحدى السفارات في الدوحة، كنتُ على المنصة مع المضيف ووزراء آخرين، وأمامنا السفراء يقفون في المقابل. لفتني السفير السعودي الجديد بابتسامة توحي بمعرفة مسبقة. نزلتُ من المنصة لأحييه، وقدمت نفسي، فقال مبتسماً: «ألا تتذكرني؟». هززت رأسي معتذراً. فقال: «هل تتذكر المرحوم السفير سمير الشهابي في الأمم المتحدة؟». قلت: «كيف أنساه؟ كان أستاذاً وأباً». قال: «وألا تذكر الشاب منصور آل سعود الذي كان معه! لقد زرتك في بيتك في نيويورك أكثر من مرة!» أدركتُ: «أأنت هو؟». كانت المفاجأة أكبر من الكلمات، وعادت الصداقة محمّلة بالذكريات بعد انقطاع السنين.

أربع سنوات فقط قضاها الأمير منصور في الدوحة، لكنها كانت من أهم السنوات؛ جسّد فيها نجاحاً استثنائياً في مهمة كبيرة بين الشقيقتين قطر والمملكة. حاز على محبة المجتمع وتقدير المسؤولين بمعرفته الواسعة وبتواضعه الجم ورفعة أخلاقه وصلاته الممتازة. وحقق البلدان في هذه الفترة إنجازات كبرى في كل المجالات كان دوره فيها واضحا.

وعندما طلب موعدا لزيارتي أصريت على زيارتي له في منزله البارحة وكان لقاء جميلا عكس ما بين القطريين والسعوديين من صلات. تمنيتُ لو طالت إقامته بين أهله في قطر، لكن هكذا هي حياة الدبلوماسي.

كنتُ أقول دائماً عند وداع السفراء أو استقبالهم: «الدبلوماسي كالبدوي، يتنقل من مكان إلى آخر، لكن البدوي يملك حرية اختيار الوقت والمكان، أما الدبلوماسي فالقرار ليس بيده». وهكذا ودّعتُ الأمير منصور، وأنا أعلم أن خيوط الصداقة التي بدأت في نيويورك لن تنقطع ما حيينا.

شارك المقالة

كتابات حمد

هذه المقالة من سلسلة: شخصيات مؤثرة, لقاءات



اقرأ أيضاً