زرت أريافًا كثيرة في حياتي، كل منها يحمل نكهة خاصة.
تجولت في الريف السوري الساحر بجماله وكرم أهله،
وعشت بساطة الريف المصري حيث يمتزج طيب الفلاح وخفة ظله مع نسيم النيل العابر للحقول.
اكتشفت قرى فرنسا الصغيرة بنوافذها المزخرفة وحدائقها التي تعتني بها العجائز بحب،
وتأملت الريف الأمريكي الشاسع بمزارعه المنظمة وطرقه الممتدة.
كما عرفت الريف الإفريقي بطبيعته البكر، ألوانه الزاهية، وبساطة ساكنيه

لكن الريف الإنجليزي ظل في مخيلتي صورة ثقافية: ضباب خفيف، خضرة لا نهائية، وهدوء يقارب الصمت. قرأت عنه أكثر مما رأيته، حتى قررت هذا الصيف أن أراه بنفسي. اخترت هامبشاير لقربها من لندن، ولأنها، كما قيل، تعكس الريف الجنوبي الإنجليزي الكلاسيكي. ابرز فنادقه Four Seasons Hampshire، وهو قصر تاريخي تحيط به مساحات خضراء مفتوحة، مزارع خيول، وغابات متفرقة.

الريف هنا مرتب ونظيف، يجسد تمامًا ما تتخيله عن إنجلترا: مساحات خضراء ليست عشوائية، كل شيء يبدو وكأنه وُضع بعناية منذ قرون ولم يتغير. البيوت القديمة تحتفظ برونقها دون أي تداعٍ. الناس مهذبون، لكنهم يحافظون على مسافة تحترم خصوصيتهم. حتى الطبيعة هنا هادئة، بلا ألوان صاخبة أو ضجيج، فقط سكون عميق.

مقارنةً بأرياف أخرى، بدا الريف الإنجليزي أقل دفئًا وأكثر تحفظًا. ليس فيه حيوية الريف العربي، ولا فوضى الجمال الإفريقي، ولا الألفة السريعة لبعض القرى العالمية. لكنه يمتلك سحرًا خاصًا يجذب من يفضل التأمل والمشي بلا هدف، مكتفيًا بجمال المشهد.

هل تكفي زيارة واحدة للحكم؟ لا أعتقد. هذه مجرد بداية لاستكشاف وجه إنجلترا الهادئ. لكنها كانت بداية أولى لها ما بعدها ولن أنساها.

