الأزماتُ في طبيعتها ليست نهاياتٍ بقدر ما هي مفارقُ فاصلة، تكشف عن حجم الاستعداد، ومستوى الوحدة، وعمق الرؤية في مواجهة التحديات. وما نعيشه اليوم من أزمةٍ راهنةٍ تعصف بالمنطقة العربية يستوجب وقفةً تقييميةً صريحة، لا مجاملةَ فيها ولا مراوغة.
كشف المستور: أطماع الاحتلال والواقع الجديد
ومن أبرز ما كشفته مقدمات هذه المرحلة: ذلك السقفُ العدواني اللامحدود لإسرائيل، الذي جاهر به هوكبي، السفير الأمريكي في تل أبيب، حين أعلن صراحةً أن حدود إسرائيل تمتد من الفرات إلى الداخل، وأن لها الحقَّ في احتلال ما تستطيع بلوغه من أراضٍ. وهذا التصريحُ لم يكن هفوةَ لسانٍ، بل تعبيراً صريحاً عن منهجٍ وتوجُّه.
وحدة الموقف الخليجي: ضرورة وجودية لا ظرفية
وعلى ضوء هذا الواقع، وما تتعرض له دول الخليج العربي من أخطارٍ وعدوان، فإن وحدة الموقف والتلاحم بينها ضرورةٌ وجوديةٌ لا تحتمل التأجيل، ولا يجب أن تكون ردَّ فعلٍ ظرفياً لأحداثٍ عابرة، أو تلاحماً وقتياً ينتهي بانتهاء الأزمة.
فمصيرُ الخليجِ واحد، وأيُّ أزمةٍ يتعرّض لها تمسُّ كلَّ الجسد الخليجي ولا تستثني أحداً، ولذلك ليس من حقِّ أيِّ عضوٍ فيه أن يُقدِمَ على ما يُعرِّضُ الآخرينَ للخطر. ولكي تكون هذه الوحدةُ راسخةً ومؤثِّرة، فلا بدَّ أن تقوم على:
-
مواقف ثابتة: ملتزمةٍ بعقيدتنا الإسلامية وقيمنا الأصيلة.
-
عمق استراتيجي: مرتبطٍ بعمقنا العربي والإسلامي.
الخلافُ الأخوي والثوابت المصيرية
والخلافُ بين دول الخليج واردٌ ومقبول، غير أن موضعه التفاصيلُ الثانوية التي تُشبه الخلافَ بين الأخ وأخيه، لا أن يمسَّ الثوابتَ أو تضعف الموقفَ الجماعي في مواجهة التحديات المصيرية.
إن ما تكشفه هذه الأزمات الكارثية يستلزم مراجعةً شاملةً للمواقف والتحالفات والالتزامات، بما يحفظ مستقبلنا ويُعزِّز تصالحنا مع هويتنا وثوابتنا. ولا سبيلَ إلى أمنٍ حقيقيٍّ وازدهارٍ راسخٍ إلا بالتعاون المبنيِّ على المبدأ القرآني الجامع: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان).
