تظل زيارتي لليمن عام 1993 محطة استثنائية في مسيرتي المهنية والوجدانية. ذهبت إلى هناك في أعقاب حرب كانت تهدف لتمزيق هذا البلد وفصل جنوبه عن شماله، وهنا أستذكر بكل فخر موقف بلدي قطر التي وقفت بكل ثبات مع وحدة اليمن وجمال طبيعته وإنسانه، وهي الوحدة التي انتصرت في النهاية. بصفتي وزيراً للإعلام القطري في ذلك الوقت، كان لي شرف لعب دور إيجابي في تعزيز أواصر العلاقات، وقد حظيت بتقدير واهتمام كبيرين من الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
المجالس الثقافية: فكر وأدب خلف “جلسات التخزين”
من الفرص الفريدة التي أتيحت لي خلال الزيارة هي المشاركة في “جلسة تخزين للقات“، والتي جرت العادة أن تكون وقت الظهيرة. ورغم أنني لم أخضع لإغراء “التخزين” أبداً، إلا أن الجلسة كانت بالنسبة لي منبعاً للفكر والأدب.
لم تكن مجرد جلسة عادية بحضور وزراء ومسؤولين، بل كانت ندوة ثقافية مصغرة ضمت أدباء وشعراء وفنانين يمنيين. لقد كانت تجربة فكرية وفنية لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، حيث تجلى فيها الذكاء اليمني والقدرة على المطارحات الأدبية العميقة، مما يعكس وجهاً مضيئاً لـ وحدة اليمن وجمال طبيعته الثقافية والإنسانية.

رحلتي إلى “إب”: معانقة السحاب والجمال المعماري
لا يمكن أن أتحدث عن اليمن دون استحضار رحلتي إلى مدينة “إب” الخضراء. كان الطريق إليها محفوفاً بالمخاطر، حيث تتعلق المسارات بالجبال الشاهقة، لكن الخوف كان يتبدد أمام سحر المشهد. كان منظراً مهيباً ونحن نرقب الفلاحات اليمنيات وهن يتسلقن الجبال الشاهقة بكل جلد وصبر للزراعة والعناية بالأرض.

إن ما رأيناه في تلك المنطقة من وحدة اليمن وجمال طبيعته الخلابة وكرم أهلها الأصلاء، رغم ضيق اليد، جعل الرحلة محفورة في سويداء القلب. كما أن الفن المعماري الفريد الذي يميز بيوت اليمن، والتي تبدو كأنها منحوتة في صخور الجبال، يعكس عبقرية الإنسان اليمني في التكيف مع بيئته.
في ختام هذه الذكرى، لا يسعني إلا أن أبتهل إلى الله عز وجل أن يعيد السلام والأمان لليمن الموحد. إنني أتوق لتلك الأيام وأسعد كثيراً لو أتيحت لي الفرصة لزيارته مرة أخرى، لأرى اليمن وقد استعاد عافيته وازدهاره. فاليمن سيبقى دائماً “السعيد” بأهله، وتاريخه، وبقوة وحدة اليمن وجمال طبيعته التي لا تشيخ.

